عقدت الهيئات المنظمة لمنتدى الاقتصاد العربي مؤتمر صحفياً في البنك المركزي اللبناني خصص لإذاعة البيان الختامي الصادر عن المنتدى الذي انعقد في بيروت يومي الجمعة والسبت الماضيين.
ترأس المؤتمر الصحفي حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وشارك فيه رئيس جمعية مصارف لبنان د. فرنسوا باسيل ومدير عام مجموعة الاقتصاد والأعمال رؤوف أبوزكي
وتلا رؤوف أبوزكي بيانا جاء فيه الآتي:
شكل منتدى الاقتصاد العربي بمجرد انعقاده في بيروت وفي ظل الظروف الراهنة، نجاحا كبيرا بحد ذاته، عاكسا بذلك إصرار الجهات المنظمة على ديمومة هذا المنتدى الذي اصبح ومنذ سنوات أحد اكبر واهم الملتقيات الاقتصادية في المنطقة. كما عكس وفي الوقت نفسه، مدى الاحتضان والاهتمام العربيين بلبنان سواء على الصعيد الرسمي أو الخاص، بدليل المشاركة التي استقطبها، والتي كان يمكن أن تفوق ذلك لولا الظروف الراهنة. ومع ذلك فإن عدد ونوعية المشاركين كان ملفتاً وموضع تقدير اللبنانيين على اختلاف مستوياتهم وانتماءاتهم. وبرز ذلك من خلال الكلمات الرئيسية وجلسات العمل التي كانت غنية بالآراء والمناقشات المعمقة.
وثمن المشاركون انعقاد المنتدى في ظروف لبنان الراهنة كما ثمنوا الاستمرارية المنتظمة له في أحلك الظروف. وأتى العديد من المشاركين إلى لبنان مترددين لكنهم عادوا منه واثقين، خاصة بعد أن وجدوا أن الحركة في لبنان عادية وناشطة باستثناء بعض المظاهر غير الطبيعية المحدودة في جزء من وسط بيروت. من ناحيتها أثنت الهيئات المنظمة للمنتدى ومعها الحكومة اللبنانية على مبادرة المستثمرين العرب بمشاركتهم في دورة المنتدى لهذه السنة وفي ظل الظروف التي يمر بها لبنان.
وتميز المنتدى في دورته الـ 15 في عدد من الجوانب التي يجدر التوقف عندها وأبرزها الآتي:
شكلت الكلمات التي ألقيت في جلسة الافتتاح إحاطة شاملة بالوضع الاقتصادي في لبنان سواء من حيث الرؤية الحكومية لبرامج الإصلاح، أو من حيث تسليط الأضواء على الوضعين النقدي والمصرفي، وإبراز المؤشرات الإيجابية الحاصلة على الرغم من الظروف الراهنة. وأوضح دولة الرئيس فؤاد السنيورة في كلمته الافتتاحية أن البرنامج الإصلاحي الذي تعمل الحكومة على تطبيقه لا يقتصر فقط على التصحيح المالي بل هو برنامج إصلاح اقتصادي تنموي اجتماعي إداري شامل تؤازره خطة طوارئ للنهوض الاقتصادي وتعزيز صمود القطاع الخاص وإعادة إطلاق العجلة الاقتصادية. من جانبه شدد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية معالي الأستاذ عبدالرحمن العطية على أهمية توفير بيئة استثمارية مشجعة ومحفزة وتتسم بالاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في مختلف أنحاء العالم العربي من أجل تحقيق الإفادة القصوى من الطفرة النفطية والحفاظ على الرساميل العربية ضمن العالم العربي "بدلاً من أن تتدفق لتصب في شرايين الاقتصادات الأجنبية".
أثرت المنتدى كلمات رئيسية قدمتها شخصيات قيادية خاصة معالي وزير البترول والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية المهندس علي بن إبراهيم النعيمي، ومعالي زير المالية الكويتي بدر مشاري الحميضي، ووزير المالية اللبناني الدكتور جهاد أزعور، ومحافظ بنك الكويت المركزي الشيخ سالم عبدالعزيز الصباح، ورئيس الغرفة العربية البريطانية للتجارة والصناعة السير روجير تومكيز.
وأشار الوزير علي النعيمي في كلمته إلى أن الوطن العربي يتمتع بثروات عديدة من أهمها البترول والغاز. ولكن هذه الثروات في شكلها الخام لا تفي بحاجات التنمية المستدامة. فأسعارهما وكمية إنتاجهما تتذبذب من عام إلى آخر، في حين من المفترض أن تتطور اقتصاديات الدول العربية بشكل مستقل عن مداخيل هذه الموارد. لذلك فإن الدول العربية أمام تحد يتمثل في كيفية استغلال هذه الثروات الطبيعية للحصول على القيمة المضافة وإنشاء صناعات ومشاريع جديدة مرتبطة بها ولا تكون عرضة للتقلب من وقت إلى آخر بهدف الوصول إلى التنمية المستدامة المطلوبة.
أما معالي وزير المالية الكويتي الأستاذ بدر الحميضي فقد شدد في كلمته على ضرورة استخدام الفوائض في التنمية المستدامة مشيراً إلى أن هذه الفوائض المالية الناجمة عن ارتفاع الأسعار النفطية هي مرحلية ومؤقتة، وأن الأسعار تحددها الدول المنتجة وليس المستهلكة ما حدا بهذه الدول إلى السعي لإيجاد بدائل عن النفط. وأضاف الوزير أنه بمقارنة حجم الفوائض مع العجز المسجل في ميزانية الكويت خلال الفترة الممتدة بين سنة 1975 وسنة 2007 نجد أن هناك عجز صافي بحوالي 20 مليار دولار، وهو ما يؤكد عدم ديمومة الفوائض.
وانطلق معالي وزير المالية اللبناني الدكتور جهاد أزعور في كلمته الرئيسية من القول بأن منتدى الاقتصاد العربي لا يقل أهمية عن مؤتمر "باريس 3" من حيث ما يعكسه من ثقة المستثمرين بلبنان. واعتبر أن باريس 3 هو مناسبة لإطلاق نهضة شاملة لاقتصاد لبنان ووصفه بعملية تجييش دولي لدعم القطاع العام ولتحفيز النمو في القطاع الخاص. وربط النمو بالإصلاح ومعالجة مشكلة الدين العام التي لها تأثيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية بإمتياز. ولفت الوزير أزعور إلى أن الإصلاح التربوي أساسي لأي عملية نمو تُسجل في فترة 5 إلى 10 أعوام المقبلة مشيرا إلى أهمية الشأن الاجتماعي لخلق اقتصاد قادر على التنافس. وقال إن أي مشروع إصلاحي تنموي يتطلب تحول الشراكة اللبنانية الدولية إلى قاعدة لإعادة نهضة لبنان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وحول أداء الاقتصاد اللبناني في المرحلة الأخيرة أوضح الوزير أزعور أن نسبة النمو كانت محدودة خلال أول شهرين من السنة الحالية ولكنها اتجهت إلى الارتفاع في شهري مارس وإبريل، وأنه في حال استتب الوضع السياسي والأمني فإن نسبة النمو سترتفع إلى ما بين 4 و 5 في المئة.
من جهته رأى سعادة محافظ بنك الكويت المركزي الشيخ سالم عبدالعزيز الصباح في كلمته الرئيسية حول " اتجاهات العمل المصرفي في الخليج في ظل متطلبات النمو الاقتصادي السريع وانفتاح الأسواق" أنه على المصارف الخليجية أن تعمل على توسيع مجالات الاستثمار والتوظيف المالي وعدم التركيز فقط على الأنشطة المصرفية التقليدية، وكذلك إعادة هيكلة مواردها المالية من خلال طرح الأدوات المناسبة لمتطلبات تمويل المشاريع الكبرى. وشدد المحافظ على أهمية الدمج المصرفي من أجل إقامة وحدات مصرفية قادرة على مواجهة التحديات المحلية والدولية.
في الجلسة الخاصة بالفورة النفطية ودورها في بناء قاعدة جديدة للاقتصادات العربية كان هناك اتفاق في النقاش على أن تحقق هدف تأسيس هذه القاعدة الاقتصادية يفترض توافر رؤية اقتصادية واضحة المعالم أولاً، والإرادة السياسية لتحقيق هذه الرؤية ثانياً. ورأى البعض أن جزءاً كبيراً من الفوائض النفطية يذهب إلى قطاعات غير منتجة. وقر الرأي على أهمية الصناعة، خاصة من حيث دورها في تأمين الوظائف الجديدة، وعلى ضرورة تعزيز الاستثمارات العربية البينية. وكان هناك اقتراح بإنشاء جامعة عربية اقتصادية يكون مركزها في بيروت وتشجع على التكامل الاقتصادي بين الدول العربية.
في الجلسة حول كيفية تطوير القدرة التنافسية العربية لاستقطاب الاستثمار كانت هناك إشارة إلى استمرار التباين في بيئة الاستثمار بين دولة عربية وأخرى بما يؤثر على قدراتها التنافسية في جذب الاستثمار، كما أيضاً إلى توافر مزايا تنافسية كثيرة لدى دول المنطقة لم يصر إلى تطوير الكثير منها واستغلالها لأسباب عدة منها بشكل خاص الأسباب السياسية والإدارية. وكان هناك تشديد في هذه الجلسة أيضاً على ضرورة الإسراع في السعي نحو تحقيق التكامل الاقتصادي العربي لتحقيق الإفادة القصوى من الفوائض المالية المتوفرة في المنطقة.
في مناقشة تطورات الصناعة المصرفية العربية وتحديات التوسع كان هناك تركيز على أهمية توسيع الخدمات المصرفية الاستثمارية والتمويل السكني وصيرفة التأمين وإيجارة المعدات الثقيلة، خاصة في دول الخليج، وغيرها من الخدمات والمنتجات الجديدة التي تساعد على تنويع مصادر دخل وأرباح المصارف. وتفاوت الرأي بالنسبة لأهمية التوسع المصرفي خارج نطاق السوق المحلي. فالمصارف الخليجية وخاصة السعودية ليست بحاجة إلى هذا التوسع حالياً نظراً لما في السوق المحلي من إمكانات غير مستغلة بعد. أما في دول أخرى ومنها لبنان، فإن هذا التوسع ضروري نظراً لصغر حجم الأسواق الداخلية وحدة التنافس. وبالنسبة لدور المصارف الأجنبية في الأسواق العربية كانت هناك إشارة إلى أن حصة المصارف في الأسواق العربية لم تزل محدودة وهي لا تشكل خطراً على المصارف المحلية بل هي مفيدة وضرورية للمساعدة في تمويل المشاريع الكبرى المخططة في المنطقة والتي تفوق قدرة المصارف العربية.
في جلسة مناقشة القطاع العقاري العربي ومستقبله شدد المتحاورون على أهمية هذا القطاع في مواجهة بعض الانتقادات والآراء بأنه قطاع غير منتج. وكان هناك تركيز على الترابط الوثيق بين هذا القطاع والكثير من القطاعات الاقتصادية الأخرى التي تستفيد منه بحيث انه يشكل قاطرة للتطور الاقتصادي. واتفق الرأي على أن الطلب على العقار سيستمر بالارتفاع في المرحلة المقبلة مما يشجع على المزيد من التوسع في مشاريع التطوير العقاري في المنطقة وخاصة في دول الخليج.
تميزت جلسة مناقشة مستقبل الاقتصاد اللبناني من منظور القيادات الشابة، التي أدارها مدير مكتب الـ CNN في لبنان وكان المتحدث الرئيسي فيها وزير المالية اللبناني، بالحيوية وباتفاق المشاركين على إعلان ثقة متجددة بالاقتصاد اللبناني ومستقبله وقدرته على التكيف وتجاوز الصعوبات. وكان هناك أيضاً اتفاق في الرأي بأن الوضع الاقتصادي في لبنان يميل إلى التحسن بالرغم من جميع الظروف السائدة.
بالنسبة للاقتصاد اللبناني أيضاً كان هناك إجماع ملفت لدى المشاركين والمتحدثين من دول الخليج على جاذبية الاستثمار في لبنان. وكان هناك إجماع لبناني وعربي على عدم تفويت الفرصة، مرة جديدة، على لبنان وعدم أخذ حصته من الفوائض المالية المتوافرة في المنطقة تحت تأثير الخوف من التجاذبات السياسية الحادة التي تسود البلد. والفرص الضائعة لا يمكن تعويضها فضلاً عن أن الفوائض المتوافرة اليوم قد لا تتوافر غداً.
حظي المنتدى برعاية ومشاركة أكبر المؤسسات الإعلامية دولياً وعربياً. وتمثل ذلك في رعاية شبكة الـ CNN وتولي مدير مكتبها في بيروت إدارة جلستي نقاش، في حين نظمت قناة العربية حواراً مباشراً مع رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة ثم بثه مباشرة على الهواء من السراي الحكومي. وقد ثمنت الهيئات المنظمة الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام المحلية والإقليمية المختلفة لا في مجال تغطية أعمال المنتدى بل وفي مجال الترويج للاستثمار عامة في لبنان، وكان تواجدها الكثيف في المنتدى موضع انتباه المشاركين وموضع تقدير منهم لما يعكس الحيوية الإعلامية في لبنان وروح الانفتاح والحرية السائدة فيه. لكن في الوقت نفسه أشار الكثير من المشاركين العرب إلى ضرورة ممارسة نوع من الانضباط الإعلامي بحيث لا تكون وسائل الإعلام اللبنانية عامل تخويف نتيجة الجدل السياسي إلحاد بحيث تطغى بعض السلبيات على الجوانب الإيجابية القائمة والمستمرة في لبنان.
شهد المنتدى مباحثات ومذكرات تفاهم بين أطراف لبنانية وخليجية تتناول مشاريع استثمارية في لبنان قد تصل قيمتها الإجمالية إلى المليار دولار تقريباً. وهذه الاستثمارات تنطوي على دلالات مهمة لكونها تؤكد الثقة المستمرة بلبنان والاستعداد الدائم للاستثمار فيه عند توافر الفرص المناسبة.
وتكريساً لتقليد المنتدى في كل عام، تم خلال الدورة الـ 15 تكريم عدد من الشخصيات القيادية العربية تقديراً لمنجزاتهم على صعيد مؤسساتهم وقطاعاتهم وبلدانهم، وعلى المستوى الإقليمي. وقد استحق التكريم كل من السادة:
قررت الجهات المنظمة عقد الدورة السادسة عشرة لمنتدى الاقتصاد العربي يومي 2 و 3 أيار/مايو من العام 2008 في فندق انتركونتيننتال فينيسيا، كما تقرر توسيع نطاق المنتدى بحيث يشمل بلدانا وقطاعات وفئات جديدة.
لقد أصبح منتدى الاقتصاد العربي نموذجاً يحتذى به في مجال التلاقي بين رجال الأعمال والمستثمرين العرب وبينهم وبين الحكومات العربية مع ما ينتج عن مثل هذه اللقاءات من تبادل للمصالح ومن بلورة مشاريع مشتركة ومن استثمارات وتحالفات في شتى المجالات. ولأنه كذلك فقد تلقت مجموعة الاقتصاد والأعمال طلبات من دول عربية عديدة لتنظيم ملتقيات استثمارية بهدف الترويح للإصلاحات المحققة فيها وللفرص الاستثمارية المتوافرة لديها. ولدى المجموعة خلال الأشهر المتبقية من هذه السنة خمس مؤتمرات في 5 بلدان عربية هي وحسب تسلسلها الزمني: قطر، تونس، الرياض، الأردن ومصر. وغني عن القول أن الدور الذي تلعبه الاقتصاد والأعمال في هذا المجال هو نموذج لما يمكن أن يقوم به لبنان في مجال صناعة الخدمات وفي شتى المجالات.