ترأس حاكم مصرف لبنان رياض سلامة مؤتمراً صحفياً في مصرف لبنان شارك فيه أمين عام جميعة مصارف لبنان د. مكرم صادر ومدير عام مجموعة الاقتصاد والأعمال رؤوف أبوزكي، ورئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان (إيدال) نبيل عيتاني.
خصص المؤتمر للإعلان عن منتدى الاقتصاد العربي الذي تنظمه مجموعة الاقتصاد والأعمال بالاشتراك مع مصرف لبنان وبالتعاون مع جمعية المصارف ومؤسسة التمويل الدولية (IFC) والمؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان (إيدال) والذي ينعقد يومي 2 و 3 أيار/مايو المقبل في فندق فينيسيا انتركونتيننتال برعاية رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة.
حاكم مصرف لبنان:
تحدث بداية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة مؤكدا دعم البنك المركزي الدائم لمنتدى الاقتصاد العربي لاسيما في هذه المرحلة وقال: أراد مصرف لبنان هذا العام، وأكثر من الأعوام السابقة، أن يؤكد دعمه انعقاد منتدى الاقتصاد العربي في بيروت في أوائل شهر أيار/مايو المقبل. إن الظروف التي يعيشها لبنان قد تبدو متناقضة مع طبيعة المؤتمر خصوصا وأننا هنالك بعض البلدان وضعت حظرا على زيارة رعاياها إلى لبنان. لكن أملنا كبير بجهود مجموعة الاقتصاد والأعمال والثقة والروابط التي نمتّها مع الوقت في أن يحظى المؤتمر بحضور لبناني وعربي ودولي كبير.
وقال: نشهد خلال العام 2008 ظاهرة ايجابية على الصعيد النقدي وتطورات ملفتة في القطاع المصرفي. فالقطاع المصرفي اللبناني لم يتكبد الخسائر التي تكبدتها مصارف دولية بسبب استثماراتها في الأوراق الناتجة عن الرهونات العقارية. وهذا نتيجة التنظيم الذي أصدره المصرف المركزي منذ 4 أو 5 أعوام ووضع بموجبه ضوابط على هذا النوع من الاستثمارات. الأمر الذي ارتد إيجابا حيث نشهد نمواً ملفتاً في ودائع القطاع المصرفي. ففي الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، شهدنا نموا في قاعدة الودائع فاق 1.5 مليار دولار. كما نشهد ميزان مدفوعات إيجابياً على الرغم من زيادة الفاتورة النفطية للبنان جراء ارتفاع أسعار النفط خلال الشهرين الماضيين. وعلى الرغم من ارتفاع أسعار المواد الغذائية عند الاستيراد، لكن التحويل إلى لبنان فاق هذا الأمر. في ما خص سوق القطع، نشهد عرضا مستمرا للدولار ويتدخل البنك المركزي شاريا للعملة الأجنبية. وأصبحت ميزانية المصرف مرتفعة وفق المقاييس المعروفة تاريخيا لتفوق 13.7 مليار دولار باستثناء مخزون الذهب الموجود لدى المصرف المركزي.
وختم: نأمل أن يلقى منتدى الاقتصاد العربي إقبالا كبيرا خصوصا وأن الأسعار الحالية للأصول في لبنان هي مغرية، إضافة إلى أن أسعار الأسهم التي يتم تداولها في أسواق بيروت ولا سيما الأسهم المصرفية منها.
كذلك وبسبب قدرة لبنان على التمويل، نجد أن المصارف اللبنانية التي بدأت بتطبيق بازل 2 تلعب دورا جيدا في تمويل القطاع الخاص، وهي قادرة على تشجيع استثمارات في قطاعات مرتبطة بالخدمات أو اقتصاد المعرفة.
في ما خص الفوائد، فإنها تبقى مرتفعة أكثر من أي بلد عربي آخر بسبب المخاطر السياسية والأمنية، لكن على الرغم من ذلك نتوقع أن تكون الفائدة مستقرة في لبنان.
أبوزكي:
ثم تحدث مدير عام مجموعة الاقتصاد والأعمال رؤوف أبوزكي فقال: "كنا حددنا هذا الموعد مع اختتام الدورة الخامسة عشرة قبل نحو سنة. لكن، وفي ظل الظروف السياسية الصعبة التي يمر بها لبنان، تساءل كثيرون ما إذا كنا سنعقد هذا المنتدى. وجوابنا كان دائماً بالتأكيد إذ نرى أن لبنان هو الآن أحوج من أي وقت مضى لانعقاد مثل هذا المنتدى، لأنه يأتي ليجدد ثقة المستثمرين اللبنانيين والعرب بلبنان وبمستقبله الاقتصادي وبمناخ الاستثمار فيه. كما يأتي ليساعد في إشاعة أجواء إيجابية في مرحلة تطغى عليها السلبيات، وللمساهمة في كسر الحواجز النفسية أمام العديد من المستثمرين ممن باتوا يترددون في المجيء إلى لبنان.
وعليه، إن قدر هذا المنتدى هو أنه يلعب دور الرافعة للاقتصاد اللبناني في المنعطفات الصعبة. فهو أول مؤتمر عقد في لبنان بعد الحرب وأسس لحركة ناشطة في صناعة المؤتمرات على مستوى لبنان والمنطقة. وهو أول مؤتمر عقد في لبنان في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي في العام 1996. وهو أول مؤتمر عقد في لبنان بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري وبعد بداية حركة الاعتصام في لبنان وانفجار الأزمة الحكومية. ويبقى الأول والدائم الذي ينعقد في شتى الظروف السهلة والصعبة ليسلط الضوء على الجوانب الإيجابية في لبنان، لاسيما في مجال الاقتصاد والاستثمار. والإيجابيات لا تزال كثيرة في لبنان والحمد لله. والأساسيات والإيجابيات هذه تؤكد عزمنا على عقد منتدى الاقتصاد العربي في موعده المحدد. ورهاننا الدائم في ذلك على محبة العرب لهذا البلد وعلى ثقتهم بمستقبله وعلى تصميمهم الدائم على متابعة الاستثمار فيه. ناهيك عن تصميم وصلابة وحيوية القطاع الخاص اللبناني والذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد، وعن قيادة سعادة الأستاذ رياض سلامة للشأن النقدي والمصرفي بدراية وحنكة وقدرة دائمة على ابتكار الحلول والهندسات لاسيما في المنعطفات الصعبة.
وما من مرة إلا وكان رهاننا في محله فيشارك المئات من المستثمرين ومن معظم البلدان العربية في المنتدى. والاتصالات التي نجريها مع الفعاليات الاقتصادية والاستثمارية العربية ولا سيما الخليجية منها تبعث على التفاؤل والارتياح، بحيث أننا نتوقع مشاركة واسعة في المنتدى وذلك على غرار كل سنة. نقول ذلك من دون إغفال حالة التردد التي تسود بعض هذه الفعاليات الخليجية. لكن تصميمنا على عقد المنتدى من شأنه حسم حال التردد هذه باتجاه استئناف المجيء إلى لبنان والمشاركة في المنتدى. وقد أجرينا اتصالات بمسؤولي بعض السفارات الخليجية ممن أبدوا استعدادهم للمساعدة والتأكيد على أهمية المشاركة في المنتدى لاسيما في الظروف الراهنة واضعين بعض النصائح والتحذيرات في إطار حالات غير حالة المشاركة في المنتدى. وعليه، فإننا نتوقع مشاركة واسعة بحيث يستقطب المنتدى حوالي الألف من الفعاليات الاقتصادية والاستثمارية اللبنانية والعربية وهي طاقة الاستيعاب القصوى لفندق فينيسيا انتركونتيننتال مكان انعقاد المنتدى.
وأضاف: "لبنان يستحق منا كل هذا الجهد. فالأزمة والمراوحة السياسية التي يعاني منها منذ ما بعد الحرب الإسرائيلية عليه في صيف 2006 قد أضعفت النمو وأدت إلى تأجيل أو إلغاء العديد من المشاريع وأضاعت على لبنان فرصاً كثيرة وكبيرة من الفوائض الاستثمارية المتعاظمة في الدول النفطية، وأدت بالفعل إلى تراجع في حركة الرساميل كما في النشاط السياحي والتجاري. لكن هناك في المقابل عدداً من المؤشرات الإيجابية التي لا تزال تعكس حيوية مستمرة في الاقتصاد اللبناني وقدرته المعهودة على التأقلم.
فالقطاع الخاص اللبناني وبخاصة القطاع المصرفي، يعمل لتخطي مشاكل السوق المحلية بالانطلاق إلى التوسع في الأسواق العربية والعالمية، والمهارات اللبنانية تتوجه بشكل متزايد إلى دول الخليج للإفادة من الفورة النفطية هناك بدلاً من انتظار قدوم مفاعيلها إلى لبنان، وهي أصبحت بدورها مصدراً هاماً للرساميل والتحويلات إلى لبنان. والمؤشرات الاقتصادية الأخيرة تظهر نمواً قوياً في الصادرات الصناعية بالرغم من جميع المعوقات، وميزان المدفوعات حقق فائضاً قوياً في العام 2007، وهناك استقرار بل تحسن ثابت في وضعية المالية العامة. وفي نهاية الأمر فأن لبنان عند ترسخ الحل السياسي والاستقرار فيه يعد بالكثير من الفرص الاستثمارية الهامة والتنافسية وبمرحلة قادمة من النمو الاقتصادي السريع.
ثم عرض أبوزكي للمواضيع التي سيتناولها المنتدى في بيروت في دورته الـ 16 وهي تبدأ بالوضع في لبنان من مختلف جوانبه الاقتصادية والمالية والاستثمارية إضافة إلى بالقضايا الراهنة المطروحة في الساحة العربية والدولية وفي طليعتها:
وسيتم خلال المنتدى، وكما في كل مؤتمر تنظمه الاقتصاد والأعمال، تكريم بعض الشخصيات القيادية اللبنانية والعربية.
نبيل عيتاني:
ثم تحدث رئيس مؤسسة (إيدال) نبيل عيتاني منوهاً بأهمية المنتدى ومشيراً إلى مؤشرات إيجابية عدة شهدها الاقتصاد اللبناني خلال العام 2007 ومنها: نمو حركة المطار 25 في المئة، ونمو حركة البواخر 20 في المئة وحركة البضائع عبر المرافئ 26 في المئة والعقارات 37 في المئة ورخص البناء 5 في المئة.
وأضاف: "هذه المؤشرات لم تكن لتتحقق لولا عوامل إيجابية كثيرة منها المبادرة الفردية البناءة لدى الشعب اللبناني والكفاءات البشرية اللبنانية التي أظهرت مهارة عالية في مجالات كثيرة. وهذه الكفاءات والمبادرة الفردية دفعت بشركات ومصارف لبنانية عدة إلى التوسع نحو الخارج.
وتابع: إن المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان تنظر اليوم بالكثير من الإيجابية إلى كل نشاط من شأنه أن يروج للمناخ الاستثماري في لبنان الذي لا يزال بحسب رأينا عامل جذب مهم. وهي لا تألو جهدا للقيام بهذه المهمة التي تشكل محوراً لنشاطاتها وأهدافها. وقد استطاعت المؤسسة تحقيق العديد من الأهداف التي وضعتها سواء ما يتعلق منها بالاستثمار أو بدعم القطاعات الإنتاجية. ووصل حجم الاستثمار في المشاريع التي استفادت من خدمات (ايدال) في العام 2007 إلى 127 مليون دولار بعد أن سجلت 123 مليوناً في العام 2006.
إن المشاركة في منتدى استثماري اقتصادي على هذا المستوى تساهم إلى حد بعيد بتوسيع رؤية المؤسسة حول المتطلبات الجديدة للمستثمرين كما تمنحها فرصة أكيدة لإبراز نقاط القوة في بيئة الاستثمار في لبنان. ولا شك في أن الجلسات التي يتضمنها المنتدى سوف تضيء على هذه العناوين.
د. صادر:
ثم تحدث أمين عام جمعية مصارف لبنان د. مكرم صادر نيابة عن رئيس الجمعية د. فرنسوا باسيل الذي تغيب بداعي السفر. وشدد صادر على أهمية المنتدى من خلال أمرين:
الأول أنه يتيح الفرصة للتحدث عن الاقتصاد سواء في لبنان أو في البلدان العربية بحيث ينبغي أن يشكل سقفاً للخلافات السياسية لا أن يكون ضحية لها.
والأمر الثاني هو إبراز أهمية الصناعة المصرفية في بلدان البحر المتوسطة لاسيما في لبنان
حيث يتمتع بسياسة إشرافية ورقابية متطورة مكنت القطاع المصرفي من تحقيق معدلات نمو على كل الأصعدة..
د. باسيل:
أما كلمة رئيس جمعية مصارف لبنان د. فرنسوا باسيل فجاء منها الآتي: لقد أصبح منتدى الاقتصاد العربي موعد لقاء سنوي هام في بيروت، تجتمع خلاله شخصيات بارزة ومسؤولة من القطاعين العام والخاص للتداول في آخر المستجدّات الاقتصادية والمالية، وفي أحدث التطورات على صعيد مناخ الاستثمـار في المنطقة العربية. وعلى مرّ السنوات الخمس عشرة التي انقضت من عمر هذا المنتدى، ترسّخت صدقيّة "مجموعة الاقتصاد والأعمال" لجهة المواظبة على حسن تنظيمه، والحرص على نجاحه كإحدى أبرز التظاهرات الاقتصادية التي تهمّ عالم الأعمال في محيطنا العربي. وهذا ما جعل شركاء المجموعة في تنظيم هذا المنتدى، وبينهم جمعية مصارف لبنـان، يتمسّكون بالحفاظ على هذه الشراكة وترسيخها.
وهذه السنة، يأتي انعقاد منتدى الاقتصاد العربي السادس عشر في مرحلة تتّسم بتحدّيات وبتطورات غير مسبوقة في الأوضاع السياسية والاقتصادية عربياً، إقليمياً، ودولياً. ومن شأن هـذه التحديـات والتطورات أن تولّد فرصاً ومخاطر في آن واحد. لذا، من المهم جداً، بالنسبة إلينا والى سائر قـادة المؤسسات المصرفيـة والمالية في القطاعين العام والخاص، والى رجال الأعمال والمستثمرين، أن نلتقي في هذا المنتدى لمناقشة وتقييـم هـذه الوقائع المستجدّة، ولا سيما اتجاهات فوائض السيولة الناجمة عن الفورة النفطية وارتفاع أسعار النفـط والمعادن، والاستثمار الكثيف في العقـارات، وتغيّرات سعر الدولار ومعدلات التضخم، وانعكاسات ذلك كلّه على أداء مصارفنا اللبنانية وعلى حضورنا المحلي وانتشارنا العربي والإقليمي.
فالواقع أن القطاع المصرفي اللبناني اكتسب رصيداً ايجابياً راكمه على مرّ العقود الماضية من خلال مساهمته، أولاً، في مساندة السياسات النقدية والمالية الرامية إلى تمويل حاجات القطاع العام والحفاظ على استقرار العملة الوطنية، وثانيـاً، في دعـم نهوض المؤسسات الاقتصاديـة وصمود الأُسر اللبنانيـة إبّـان المحن التـي أصابت لبنان جـرّاء عدوان خارجـي أو اعتداءات أمنية داخلية. وفي السنوات الأخيرة، راح هذا القطاع يعزّز رصيـده التراكمـي بفضل استمراره في اجتذاب الودائـع والاستثمارات، كما بفضل سياسته التوسعية الإقليمية، بحثاً عن أسواق انتشار واعدة تعوّض عن حالة الركود السائد فـي السـوق المحلية. كلّ هذا يجعل القطاع المصرفي اللبنانـي في حالـة جهوزيّة تامـة لتأدية دور محـوري وحيـوي، محلياً وإقليمياً، فـي إخـراج البلـد مـن النفق المظلم الذي أوقعه فيه الشطط السياسي الراهن.
وختم: مع إدراكنا العميق لأهمية موضوعات المنتدى ولحيوية وضرورة التشاور بشأنها بين المعنيّين، وفي بيروت بالذات، لا يسعنا غير التأكيد من جديد على أن الأوضاع السياسية العربية عموماً واللبنانية بوجه خاص، تُلقي بثقلها الضاغط على كلّ هذه الاستحقاقات، وهي توشك أن تفقدنا فرصاً تاريخية وتعرّضنا لمخاطر جسيمة، قد تترك مضاعفات سلبية على النمو والتنمية، وتالياً على رفاهية اللبنانييّن ونمط عيشهم، أفراداً وجماعات، أياً تكن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والحزبية والمناطقية. لأجل ذلك، نغتنم هذه المناسبة لنطلق مرة أخرى صرخة مدويّة علّها تصل إلى آذان القيادات السياسية التي ما زالت تتجاهل دعوات الهيئات الاقتصادية والمنظَّمات الإقليمية والدولية، غير مبالية بما قد تؤول إليه أوضاع البلاد ومؤسساتها الاقتصادية وأحوال الناس الاجتماعية، إذا ما استمرّ الإصرار على منع قيام الدولة وعودة الحياة الدستورية إلى طبيعتها.
من هنا نكّرر القول إنه ينبغي على مختلف القوى والزعامات السياسية اللبنانية أن تعي أن الصراع على الوطن والدولة ممنوع، فيما الصراع على السلطة مشروع وجائز. ذاك أن الوطن نهائي أزليّ، أما السلطة فمؤقتة وعابرة. والدولة هي الثابت الوحيد، أما كلّ ما عداها، ولا سيما السلطة، فمتغيّر.
