افتتح اليوم في إسطنبول الملتقى الاقتصادي التركي-العربي الرابع الذي تنظمه مجموعة الاقتصاد والأعمال بالتعاون مع وزارة المالية التركية ولجنة العلاقات الاقتصادية الخارجية في تركيا DEIK وجامعة الدول العربية. وتقدم الحضور الذين تجاوزوا 600 مشارك مجموعة من الوزراء وممثلي الهيئات الحكومية التركية والعربية إضافة إلى قادة القطاعات الاقتصادية العربية والتركية ومثلي الجمعيات والهيئات الاقتصادية. وتميّز الملتقى هذا العام بمشاركة السعودية حيث حضر وفد كبير يزيد على ستين مشاركاً يمثلون مجموعة من كبرى الشركات.
وتحدث في جلسة الافتتاح كل من نائب رئيس الوزراء التركي وزير الدولة علي باباجان ورئيس لجنة العلاقات الاقتصادية الخارجية في تركيا DEIK رئيس إتحاد الغرف والبورصات التركية رفعت هيسارجيكليغلو ورئيس لجنة العلاقات الأوروبية في جامعة الدول العربية محمد الفاتح ناصري ورئيس وكالة رئاسة مجلس الوزراء لدعم الاستثمار والترويج التركية ألبسلان كركماز ومدير عام مجموعة الاقتصاد والأعمال رؤوف أبوزكي.
استهل أبوزكي جلسة الافتتاح فقال: "أصبح هذا الملتقى بحق الحدث السنوي الأهم في متابعة تطور العلاقات الاقتصادية والتعاون الاقتصادي بين تركيا والعالم العربي. وانعقاد الملتقى للسنة الرابعة على التوالي هو خير دليل على نجاحه وأهميته وجدواه. ومثل هذا النجاح المستمر ما كان ليتحقق لولا دعم الحكومة التركية برئاسة رجب طيب اردوغان، ولولا تعاون الوزراء المختصين وهيئات القطاع الخاص التركية والعربية. ولا يسعنا هنا سوى التنويه بالدور الكبير الذي يقوم به الرئيس رجب طيب أردوغان في رعاية الملتقى. وهذا الأمر ليس مستغرباً في ضوء الدور المتنامي الذي تقوم به تركيا وأردوغان بشكل خاص في تطوير وتعميق أواصر العلاقات بين تركيا والعالم العربي، وفي العمل على استقرار منطقة الشرق الأوسط وإبعاد المخاطر عنها وتأكيد أهميتها المحورية والإستراتيجية في الاقتصاد العالمي كمصدر وممر لإمدادات الطاقة وكسوق كبير متنامياً وقطب إنتاجي يتمتع بكافة الموارد والقدرات".
وقال: "وفيما تعكس المؤشرات الأخيرة بوادر بدء مرحلة الخروج من براثن الأزمة، فإن النظام الاقتصادي العالمي الجديد الذي سينتج عن هذه العملية الصعبة والبطيئة سيعطي الأولوية ويستند إلى حد أكبر على تنمية القدرات التنافسية، واستغلال الميزات التفاضلية، وتعظيم الإنتاجية، إضافة بالطبع إلى معايير جديدة ومتشددة للشفافية والحوكمة والرقابة على الأسواق المالية. بمعنى آخر، فإن النجاح في الاقتصاد العالمي المقبل قد يصبح أكثر صعوبة. وهذا الأمر يفرض بحد ذاته على تركيا والدول العربية الإسراع في بناء تكتل اقتصادي قوي يحافظ على مصالح جميع أطرافه في مواجهة التحديات المقبلة. وغني عن القول أن المنطقة بأسرها، بجغرافيتها ومواردها وشعوبها تشكل نواة طبيعية لقيام مثل هذا التكتل. فالأسواق العربية والسوق التركية يكمل بعضهما الآخر لاسيما وأن لتركيا حدوداً مشتركة كبيرة مع اثنين من أكبر بلدان المنطقة وهما سوريا والعراق. كما أن تركيا تمثل سوقاً مهمة للدول العربية وإنتاج صناعاتها الأساسية التي تستند إلى الميزات التفاضلية التي تتمتع بها في مجال الطاقة الرخيصة. وتعتبر تركيا محطة مهمة على الطريق إلى الأسواق الآسيوية الضخمة وصولاً إلى أوروبا الشرقية وأسواق الاتحاد الروسي. والاقتصاد التركي بحيويته وإنجازاته وميزاته ومؤسساته ورجال أعماله يعتبر شريكاً طبيعياً للعالم العربي في مجال الاستثمار وإقامة المشاريع المشتركة.
وختم: "إن الطريق أمامنا واعد بالفرص وبالنجاح، لكن الأجواء العالمية تحمل الكثير من التحديات، فلا بد لنا إذاً من عدم التلكؤ والإسراع في بناء الشراكة الاقتصادية الطبيعية والحتمية بيننا. ولتكن مداولتنا في هذا الملتقى خطوة أخرى في سبيل تحقيق ما يجب تحقيقه، ولتشكل استمراريته وتطويره المستمر إطاراً داعماً ومساعداً لبلوغ كل ما نصبو إليه جميعاً."
وأضاف:" نريد أن يتمتع المستثمر القادم إلى تركيا بكل ما يضمن له تجربة متكاملة سهلة وسريعة فالوقت في عالم الاستثمار مكلف جدا. وبالفعل تمكن كل المستثمرون الذين يقصدون الوكالة الحكومية الخاصة بتشجيع الاستثمار من الحصول على المعلومات والخدمات المطلوبة لإطلاق أعمالهم. نحن نريد إزالة الإجراءات البيروقراطية بالكامل ولكن إلى حين تحقيق ذلك كليا بإمكان المستثمرين توفير الوقت والمال من خلال الخدمات التي بدأنا بتقديمها منذ نحو عامين. وفي الفترة الماضية تمكنا من تحقيق انجازات على مستوى تشجيع الاستثمار مع القطاع الخاص العربي وهو ما انعكس على العلاقات التركية العربية. واليوم ثمة استثمارات تركية أيضا تذهب باتجاه البلدان العربية وتحقق نتائج جيدة. والفرص المتاحة في البلدان العربية لا تقل شأنا عن تلك المتوفرة في تركيا. وختم كركماز: "أؤكد أن هذا الملتقى يوفر فرصا كبيرة للمستثمرين العرب والأتراك كما يوفّر الأرضية المشركية بيننا وبين البلدان العربية التي نحرص على أن نحقق معها تعزيزا للعلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكل وكالاتنا الحكومية جاهزة لخدمة تطلعاتنا الاقتصادية وعلاقتنا مع البلدان العربية".
وختم ناصري بالتشديد على أهمية المواضيع المطروحة للنقاش في الملتقى، معتبرا أنه يقع على عاتق المشاركين والمتحدثين تقديم إجابات حول الطرق الأفضل لبناء علاقة ستراتيجية متينة بين البلدان العربية وتركيا خصوصا وأن المنطقة كما العالم تعيش مرحلة انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية.
وأضاف: "كافة المؤسسات التركية تسعى لتعزيز التعاون مع البلدان العربية كما تبذل جهودا كبيرة لتعميق العلاقات بين الطرفين ورفعها إلى مستوى أعلى وربطها بالعلاقات الإقليمية والدولية. واليوم يشارك رجال السياسة الأتراك في اجتماعات الجامعة العربية كما تساهم قواتنا المسلّحة بدعم الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة. أما رجال الاستثمار الأتراك فيساهمون في مشاريع التنمية الاقتصادية العربية، وتساهم منظمات المجتمع المدني التركية في تنفيذ مشاريع في عدة بلدان عربية. لدينا اليوم في السودان مشاريع تنمية كما يساعد أسطولنا على حفظ الأمن في خليج عدن. ومؤخرا تزايد عدد الخطوط الجوية المفتوحة مباشرة بين تركيا والبلدان العربية. كل هذه التطورات تدل على الرغبة بتعزيز العلاقات العربية التركية".
وأضاف هيسارجيكليغلو: "نمتلك اقتصادا يتزايد حجمه يوما بعد يوم، وصادراتنا تحقق نموا سنويا وهي تحتل مراكز أولى حول العالم. وتتجاوز قيمة صادراتنا عشرات المليارات، وتذهب بكل الاتجاهات. كما تحقق صادراتنا وبحسب المنظمات الاقتصادية الدولية نموا سنويا هو من بين الأفضل بين كل بلدان العالم. كما أن تركيا هي عضو اليوم في مجموعة العشرين وتلعب دورا اقتصاديا وسياسيا هاما وفعالا، كما لديها دورا مميزا على مستوى منظمات الأمم المتحدة. وتأتي هذه التطورات اعترافا بالدور التركي العالمي ونتيجة لامتلاكنا قوة اقتصادية إقليمية ودولية هامة. ولا ننسى أن تركيا تشكل ممرا ستراتيجيا لأنابيب النفط. ومستقبلا نطمح إلى لعب دور اقتصادي دولي أكبر وأن تتخطى صادراتنا رقم الـ 500 مليار دولار، كما نريد دعم شركاتنا وزيادة قوتها وعددها وأن نكون الحاضن لكبرى الشركات العالمية". وأضاف: "نحن كممثلين للقطاع الخاص التركي نبذل جهودا متزايدة لتعزيز التعاون التركي العربي على مستوى القطاع الخاص. ونعتقد أن تركيا ومن خلال تشكيلها بوابة الاستثمار العالمية ستجذب القطاع الخاص العربي لكن علينا تهيئة مجموعة من الشروط لبقاء وازدهار الاستثمارات الأجنبية. وأود أن أذكر في هذا المجال أنه يوجد اليوم نحو 17 مجلس أعمال تركي عربي مشترك. على صعيد آخر، نسعى كأتراك إلى توفير الرفاه والاستقرار في مجمل بلدان المنطقة. ونعتقد أن ذلك يمكن أن يتحقق عن طريق النشاطات الاقتصادية المشتركة. ولذا نحن لا نتهرب من مسؤولياتنا، وندعم مبادرة السلام في الشرق الأوسط ونسعى مع رجال الأعمال الإسرائيليين والفلسطينيين إلى تعزيز تعاونهم، وهذا النوع من التعاون يساهم في التوصل إلى السلام. ونعتقد أنه لا يمكننا أن نتمتع في تركيا بالاستقرار ما لم يتمتع جيراننا أيضا بالاستقرار".
وقال:" على الرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية، لا زالت صادراتنا إلى البلدان العربية تحقق نموا. ولكن كل الصادرات والعلاقات الاقتصادية المشتركة ليست سوى قطرة في بحر العلاقات والتبادلات التي يمكن التوصل إليها. لقد بذلنا جهودا ولا زلنا لتوقيع اتفاقيات تجارة حرة مع البلدان العربية وقد نجحنا في توقيع اتفاقية مع سوريا وتونس لكننا لا زلنا في مرحلة مناقشات مع باقي الأطراف لتوقيع هذا النوع من الاتفاقيات. ومن الأطراف التي نناقشها حاليا في هذا الموضوع دول مجلس التعاون الخليجي ولبنان".
وأضاف: "مع أننا لا زلنا نرى نموا إلا أن الأزمة العالمية أثرت على حجم الاستثمارات ونرى مرحلة ركود. وفي الفترة الماضية لم تتوجه إلى تركيا سوى استثمارات محدودة من الخليج. كذلك لم نشهد تطورا كبيرا في الاستثمارات التركية المتوجهة إلى البلدان العربية. هذا مع أن الصناديق العربية تستطيع الاستفادة من الفرص التي تتيحها القطاعات الاقتصادية التركية مثل العقار واللوجستيات والخدمات والسياحة. ونذكّر أننا بذلنا جهودا كبيرة لتطوير العلاقات مع البلدان العربية الواقعة في شمال أفريقيا. فقد عقدنا قمة رؤساء الدول الأفريقية في إسطنبول وأنشأنا مجالس أعمال مع الدول الأفريقية ومنها بلدان عربية. ولدينا تعاون مع البنك الإسلامي للتنمية لتنفيذ مشاريع في سوريا كما نقوم بمشاركة إمكاناتنا ومعرفتنا الصناعية مع عدة أطراف عربية. ونسعى إلى دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة العربية التي تتيح تنميتها تحقيق نمو اقتصادي جيد".
ويضيف: "في أيلول من عام 2008 وضعنا أسسا لآلية حوار دائم تركية عربية كما مع دول مجلس التعاون. وعام 2007 وقعنا اتفاقية تعاون متعددة في جدة، وهذه الآلية الجديدة تفتح آفاقا رحبة للمشاريع المشتركة بين الطرفين. والحقيقة أنه لم يكن ممكنا في السابق الانطلاق بتعزيز العلاقات الاقتصادية بالزخم الذي نريده، لكننا قمنا بالإصلاحات الاقتصادية الضرورية ما مكننا من فتح طريق واسع أمام استثمارات القطاع الخاص العربي. وندعو اليوم دول مجلس التعاون الخليجي إلى تشجيع الاستثمارات في تركيا. ونتمنى أن تتقدم المناقشات الخاصة باتفاقية التجارة الحرة بين تركيا ودول الخليج العربي". وشدد باباجان على أهمية الدور الذي تلعبه تركيا من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي فقال:" لقد حققنا نجاحات على مستوى منظمة المؤتمر الإسلامي وقمنا بنشاطات كبيرة. ونعتقد أن تأثير هذه المنظمة يزداد يوما بعد يوم على المستوى الإقليمي.
أما عن الأزمة الاقتصادية العالمية فقال: "كما تعلمون أثرت الأزمة الاقتصادية العالمية على عدد كبير من الدول حول العالم وبطريقة غير مسبوقة. وحدثت الأزمة نتيجة عدم اتزان سياسة القروض والرقابة التي تقع على كاهل المسؤولين في الدول التي بدأت فيها الأزمة. وهذه الأزمة لا تشبه أي أزمة سابقة، وما ساعد على تطورها بشكل متسارع هو غياب آليات الرقابة الناجعة. واليوم نحصد نتائج هذه الأزمة في كل العالم على مستوى الفوائد والقروض والبطالة والركود وغيرها من النتائج. وأعتقد أنه على القادة السياسيين حول العالم تحديد نتائج الأزمة والعمل على زيادة الثقة بالأسواق المالية العالمية. ومؤخرا تدخلت بنوك مركزية وحرّكت المياه الراكدة لكن ثمة مخاوف من نتائج هذه السياسات خصوصا في البلدان النامية. ومؤخرا قرر قادة مجموعة العشرين التعامل بقوة أكبر مع الأزمة، وتركيا تلعب دورا فعالا على هذا الصعيد. واليوم نرى أن الأزمة تفرض علينا تطبيق أفضل السياسات الاقتصادية وتنفيذ الإجراءات التي يتفق عليها المجتمع الدولي. وأعتقد أن العودة إلى المراحل الطبيعية سيأخذ بعض الوقت".
وكرّمت مجموعة الاقتصاد والأعمال شخصيات اقتصادية ريادية وبارزة خلال الملتقى ومنحتهم جائزة الملتقي الاقتصادي التركي-العربي وهم: رئيس والمدير العام لـ "بنك ميد"Bank Med محمد الحريري، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة "يوكسل للإنشاءات" أمين سازاك، ورئيس مجموعة أجيبادم للرعاية الصحية مهمت أيدنلار. وتولى تقديم الجوائز للمكرمين كل من نائب رئيس الوزراء التركي وزير الدولة علي باباجان، رئيس إتحاد الغرف والبورصات التركية رفعت هيسار جيكليغلو ومدير عام مجموعة الاقتصاد والأعمال رؤوف ابوزكي.