وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع اتساع العلاقات التجارية بين مصر ودول المجموعة. فقد بلغت تجارة مصر مع دول "بريكس" نحو 53.5 مليار دولار في 2025، ارتفاعاً من 45 مليار دولار في 2024، فيما ارتفعت الصادرات المصرية إليها بنحو 45.7 في المئة لتصل إلى 13.77 مليار دولار. وهذه الأرقام تعكس توسع المبادلات، لكنها تظهر أيضاً استمرار فجوة كبيرة لمصلحة الواردات التي قاربت 39.7 مليار دولار.
توسيع الخيارات وليس استبدال الشركاء
يرى الوكيل أن أحد الأخطاء في قراءة انضمام مصر إلى "بريكس" هو التعامل معه باعتباره انتقالاً من دائرة اقتصادية دولية إلى أخرى.
ويقول: "القضية ليست استبدال أمريكا أو الاتحاد الأوروبي أو صندوق النقد والبنك الدولي بالصين وروسيا والهند. القضية هي توسيع مساحة المناورة أمام الاقتصاد المصري".
وتختصر هذه المقاربة جانباً أساسياً من القيمة المحتملة للعضوية بالنسبة إلى مصر. فالقاهرة تحتفظ بعلاقات تجارية ومالية عميقة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، وفي الوقت نفسه تتوسع علاقاتها مع الصين والهند وروسيا والبرازيل ودول الخليج وأفريقيا.
بالنسبة إلى الوكيل، يسمح هذا التنوع لمصر بتوسيع مصادر التمويل والاستثمار والأسواق والتكنولوجيا، ويخفض درجة الاعتماد على سوق واحدة أو جهة تمويل واحدة، خصوصاً في بيئة دولية شهدت خلال السنوات الأخيرة اضطراباً متزايداً في التجارة وسلاسل التوريد وتدفقات رأس المال.
وهنا تصبح "بريكس" بالنسبة إلى قطاع الأعمال منصة إضافية للوصول إلى شركاء وأسواق ورؤوس أموال، ضمن شبكة علاقات مصر الاقتصادية القائمة.
قناة السويس تحول الموقع إلى ميزة اقتصادية
ويضع الوكيل الموقع الجغرافي في مقدمة الأوراق التي تستطيع مصر تقديمها إلى دول "بريكس"، معتبراً أن مصر مؤهلة للعمل كمركز اقتصادي ولوجستي يربط أسواق آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
وتمنح قناة السويس هذه الميزة بعداً يصعب فصله عن موقع مصر داخل المجموعة. فالقيمة هنا تتجاوز عبور السفن إلى إمكانية بناء منظومة صناعية ولوجستية حول الممر الملاحي، تستفيد منها الشركات التي تريد التصنيع والتخزين وإعادة التصدير والوصول إلى أسواق متعددة انطلاقاً من قاعدة واحدة.
وهذا التوجه بدأ يأخذ أشكالاً عملية. ففي 2026 ناقشت مصر مع البرازيل إنشاء مركز لوجستي للحبوب في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فيما يتواصل تطوير المنطقة لاستقطاب استثمارات صناعية ولوجستية دولية. كما تضم المنطقة أربع مناطق صناعية متكاملة وستة موانئ بحرية، ما يوفر قاعدة يمكن البناء عليها لاستقطاب شركات من دول "بريكس".
ويرى الوكيل أن الاستفادة من هذه الميزة تستدعي تسريع إنشاء مناطق صناعية ولوجستية تستهدف شركات دول المجموعة، إلى جانب تسهيل التجارة البينية وتطوير آليات التمويل.
ويتقاطع ذلك مع توجه حكومي أوسع لتحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز يجمع التصنيع والتجارة والخدمات اللوجستية، مستفيداً من شبكة الاتفاقات التجارية التي تمنح المنتجات المصنعة في مصر وصولاً تفضيلياً إلى عدد كبير من الأسواق.
من عضوية سياسية إلى برنامج اقتصادي
ويعتقد الوكيل أن السنوات المقبلة يجب أن تركز على أربعة مسارات مترابطة.
أولها التجارة، عبر زيادة الصادرات المصرية إلى دول "بريكس" ومعالجة الاختلال القائم في الميزان التجاري من خلال تحسين قدرة الشركات المصرية على دخول هذه الأسواق.
وثانيها الاستثمار، عبر استقطاب رؤوس أموال من دول المجموعة إلى قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، بحيث تصبح العلاقة قائمة بصورة أكبر على الاستثمار والإنتاج داخل مصر إلى جانب التبادل التجاري.
أما المسار الثالث فهو التمويل، خصوصاً عبر توسيع الاستفادة من بنك التنمية الجديد، الذي انضمت إليه مصر قبل انضمامها الكامل إلى المجموعة، إلى جانب تطوير استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات التجارية عندما تتوافر الآليات المناسبة لذلك.
ويتمثل المسار الرابع في نقل التكنولوجيا وبناء شراكات صناعية، خصوصاً مع الصين والهند والبرازيل في مجالات التصنيع والرقمنة والطاقة والصناعات ذات القيمة المضافة.
وبالنسبة إلى الوكيل، تتطلب الاستفادة من هذه الفرص "خريطة طريق واضحة" للعامين المقبلين تحدد القطاعات المستهدفة والأسواق ذات الأولوية والمشروعات القابلة للتنفيذ.
القيمة في ما تستطيع مصر تقديمه
بعد أكثر من عامين على انضمامها، يصبح نجاح تجربة مصر داخل "بريكس" مرتبطاً بدرجة أكبر بما تستطيع تحويله إلى استثمارات وصادرات ومشروعات صناعية وتمويل جديد.
وهنا قد تكون الورقة المصرية الأقوى قدرتها على الجمع بين عناصر يصعب توافرها مجتمعة لدى كثير من الاقتصادات: سوق محلية كبيرة، وموقع بين أهم مسارات التجارة العالمية، وقناة السويس، وشبكة واسعة من الاتفاقات التجارية، وقاعدة صناعية يمكن توسيعها لخدمة أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
ويختصر الوكيل رؤيته بالقول إن "بريكس لا تمثل معسكراً بديلاً، وإنما هي أداة إضافية في يد السياسة الخارجية المصرية لتحقيق التنوع وتقليل المخاطر وتعظيم الاستفادة من كل الفرص المتاحة".
وبهذا المعنى، فإن الرهان المصري على "بريكس" يرتبط بزيادة الخيارات المتاحة للاقتصاد، وبقدرة القاهرة على استخدام موقعها وعلاقاتها وشبكة اتفاقاتها لجعل مصر نقطة التقاء بين اقتصادات المجموعة والأسواق المحيطة بها.
مصادر الخلفية والأرقام: الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.