يُعد حقل غرب القرنة-2، الواقع في محافظة البصرة، أحد أكبر الحقول النفطية العراقية، باحتياطيات أصلية قابلة للاستخراج تُقدّر بنحو 14 مليار برميل وفق بيانات شركة "لوك أويل" الروسية. وكان إنتاج الحقل يتراوح بين 460 ألفاً و480 ألف برميل يومياً مطلع عام 2026، بما يعادل نحو 9 إلى 10 في المئة من الإنتاج النفطي العراقي.
ويمنح حجم الحقل واحتياطياته الضخمة الشركة التي ستتولى تطويره فرصاً استثمارية طويلة الأجل، تشمل حفر آبار جديدة، وتطوير مرافق معالجة النفط والغاز، وتحسين تقنيات الاستخراج وحقن المياه. ويمكن لهذه الاستثمارات أن ترفع الطاقة الإنتاجية للحقل تدريجياً، وتساعد في المحافظة على مستويات إنتاج مرتفعة لفترة أطول.
وبالنسبة إلى العراق، فإن تطوير غرب القرنة-2 يندرج ضمن جهود توسيع القدرة الإنتاجية للقطاع النفطي، بما يعزز مرونته في إدارة الإنتاج والاستجابة للطلب العالمي، مع مراعاة التزاماته ضمن تحالف "أوبك+". ويعتمد تحقيق هذه الأهداف على توفير الاستثمارات اللازمة وتطوير البنية التحتية المساندة، خصوصاً منشآت المعالجة ونقل النفط وإمدادات المياه.
من خروج "لوك أويل" إلى شراكة جديدة
جاءت المفاوضات مع "شيفرون" بعد اضطرار شركة "لوك أويل" الروسية إلى الانسحاب من تشغيل الحقل تحت تأثير العقوبات الأميركية والبريطانية المفروضة عليها، ما دفع الحكومة العراقية إلى اتخاذ إجراءات لضمان استمرار الإنتاج وانتقال إدارة العمليات مؤقتاً إلى شركة نفط البصرة.

وفي فبراير/شباط 2026، أُبرمت اتفاقات أولية بين الأطراف المعنية لتنظيم انتقال العقد ومنح "شيفرون" حق التفاوض الحصري بشأن تولي المشروع، تلتها ترتيبات لتبادل المعلومات الفنية وتقييم الحقل.
ويعكس التقدم الأخير في المفاوضات مساعي بغداد للاستفادة من هذا التحول في استقطاب شركة عالمية تمتلك قدرات مالية وتقنية كبيرة، بما يضمن استمرارية تشغيل الحقل ويفتح المجال أمام استثمارات جديدة لتطويره.
شروط تعاقدية أكثر جذباً للاستثمار
ينطوي الاتفاق المرتقب على مضامين أوسع تتصل بسياسة العراق في التعامل مع الشركات النفطية الأجنبية. فقد عملت وزارة النفط خلال السنوات الأخيرة على تطوير صيغ التعاقد بما يوفر حوافز استثمارية أكبر ويشجع الشركات على الالتزام بمشاريع طويلة الأجل، بعدما حدّت العوائد المنصوص عليها في بعض عقود الخدمة التقليدية من جاذبيتها لدى المستثمرين.
وتشير المفاوضات مع "شيفرون" إلى سعي الطرفين للتوصل إلى شروط تحقق الجدوى الاقتصادية للشركة وتحافظ في الوقت نفسه على المصالح المالية للدولة العراقية. وقد يشكل نجاح هذه المقاربة نموذجاً لتطوير العلاقة مع الشركات الدولية، خصوصاً في الحقول الكبيرة التي تحتاج إلى استثمارات مستمرة وتقنيات متقدمة لزيادة إنتاجها.
توسيع حضور الشركات الأميركية
تتزامن المفاوضات بشأن غرب القرنة-2 مع توسع التعاون النفطي بين العراق والشركات الأميركية، من خلال مشاريع تتفاوت بين المفاوضات والعقود الموقعة.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2026، وقعت شركة نفط البصرة مذكرة تفاهم مع "إكسون موبيل" لتطوير المرحلة الثانية من مشروع استثمار مياه البحر بطاقة 2.5 مليون برميل يومياً، لدعم إنتاج الحقول النفطية، بالتوازي مع مباحثات بشأن تطوير حقل مجنون.
كما توصل العراق إلى اتفاق مع تحالف تقوده "كونوكو فيليبس" لدراسة تطوير حقل عكاز الغازي، فيما أعلنت الشركة اتفاقاً للاستحواذ على حصة 42 في المئة في مشروع تديره "بي بي" لتطوير أربعة حقول نفطية في كركوك.
وفي خطوة أكثر تقدماً، وقعت شركة نفط البصرة في يوليو/تموز 2026 عقداً مدته خمس سنوات مع "هاليبرتون" لتطوير حقلي نهر بن عمر والسندباد، بهدف زيادة إنتاج النفط والغاز المصاحب.
وتعكس هذه الاتفاقات اتساع نطاق التعاون مع الشركات الأميركية ليشمل تطوير الحقول القائمة، واستثمار الغاز، وتوفير البنية التحتية اللازمة لزيادة الإنتاج، والاستفادة من التقنيات والخبرات العالمية.
ولا شك أن إنجاز عقد غرب القرنة-2 سيشكل خطوة إضافية لتعزيز ثقة المستثمرين بقدرة العراق على توفير فرص استثمارية طويلة الأجل ضمن ترتيبات تعاقدية مجدية. وسيرتبط الثر الاقتصادي الفعلي للاتفاق بحجم الاستثمارات التي ستلتزم بها "شيفرون"، وخطة تطوير الحقل، والزيادة الممكنة في طاقته الإنتاجية. وهي عناصر ستحدد مساهمة المشروع في دعم خطط العراق لتوسيع إنتاج النفط وترسيخ حضور الشركات العالمية في قطاعه النفطي.