الإقتصاد والأعمال - AL-IKTISSAD WAL-AAMAL

العراق ينفي اقتراض 16 تريليون دينار ويواصل البحث عن تمويل دولي

العراق ينفي اقتراض 16 تريليون دينار ويواصل البحث عن تمويل دولي

أعاد نفي الحكومة العراقية اعتزامها اقتراض 16 تريليون دينار (نحو 10.7 مليارات دولار) من خمس دول لتمويل عجز الموازنة تسليط الضوء على الوضع المالي للبلاد وخيارات بغداد لتغطية احتياجاتها.

جاء النفي بعد يوم واحد من إعلان صندوق النقد الدولي مواصلة المحادثات مع السلطات العراقية بشأن برنامج دعم جديد، فيما تؤكد البيانات الرسمية اعتماد الحكومة على الاقتراض الداخلي لتغطية جانب من نفقاتها. ويكشف تزامن هذه التطورات عن تفاوت بين تحسن الإيرادات النفطية الذي تستند إليه الحكومة وتقديرات المؤسسات الدولية بشأن استمرار الضغوط التمويلية.

نفي محدد ومحادثات دولية

نفى المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، في 30 أكتوبر/تشرين الأول، الأنباء المتداولة عن اعتزام بغداد اقتراض 16 تريليون دينار من السعودية والكويت والصين وألمانيا وفرنسا لسد عجز الموازنة، مؤكداً عدم الحاجة إلى هذا التمويل في ضوء تحسن الصادرات النفطية.

ويقتصر النفي على قرض محدد بقيمته والجهات المفترض تقديمه، فيما تستمر المحادثات مع المؤسسات المالية الدولية بشأن خيارات أخرى. ولم تظهر معلومات رسمية موثوقة تثبت وجود اتفاق أو مفاوضات متقدمة للحصول على المبلغ المذكور من الدول الخمس.

وكانت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، قد أكدت في 17 أكتوبر/تشرين الأول، خلال الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك، أن العراق طلب برنامجاً تمويلياً جديداً. وقالت وفقاً لوكالة بلومبرغ: "طلبت السلطات برنامجاً، وسندعم العراق بقوة"، مشيرة إلى استعداد الصندوق لتقديم دعم مالي ومساندة في السياسات الاقتصادية.

وفي 29 أكتوبر/تشرين الأول، أوضحت المتحدثة باسم الصندوق، جولي كوزاك، أن المحادثات تستهدف تحديد أولويات السلطات العراقية وسبل معالجة مواطن الضعف الاقتصادي تمهيداً لإعداد البرنامج. وأشارت إلى أن العراق كان يواجه ضغوطاً تمويلية قبل حرب إيران، وأن ضيق قاعدة الإيرادات غير النفطية يزيد الضغوط على المالية العامة. ولم يُعلن حتى الآن عن اتفاق نهائي يحدد حجم التمويل أو شروطه.

الاقتراض الداخلي يكشف حجم الاحتياجات

تؤكد بيانات وزارة المالية العراقية أن الاقتراض يمثل بالفعل إحدى الأدوات الرئيسية لتغطية الاحتياجات التمويلية. فقد بلغ إجمالي الاقتراض الداخلي 46 تريليون دينار (نحو 30.7 مليار دولار) خلال الفترة الممتدة من مطلع 2023 حتى نهاية أبريل/نيسان 2026، منها 10.5 تريليونات دينار (7 مليارات دولار) خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي وحده.

وفي المقابل، سددت الحكومة نحو 19.9 تريليون دينار (13.3 مليار دولار) من التزامات الدين الداخلي خلال الفترة نفسها، فيما بلغ رصيد الدين الداخلي نحو 96.6 تريليون دينار (64.4 مليار دولار) بنهاية أبريل/نيسان 2026. ويمثل الرقم الأول إجمالي الاقتراض الجديد خلال الفترة المذكورة، بينما يعكس الرصيد إجمالي الالتزامات القائمة، بما فيها الديون المتراكمة من السنوات السابقة.

وتوضح هذه الأرقام أن الضغوط المالية سبقت تداعيات حرب إيران، وأن الحكومة كانت تعتمد على التمويل المحلي لتغطية الفجوة بين الإيرادات والنفقات. ويرتبط ذلك ببنية الموازنة العراقية، حيث تستحوذ الرواتب والتقاعد والنفقات التشغيلية على جانب كبير من الإنفاق، بينما تبقى الإيرادات الحكومية معتمدة بصورة رئيسية على النفط.

تحسن الصادرات يوسع الخيارات

تستند الحكومة في نفي حاجتها إلى القرض المتداول إلى تحسن الصادرات النفطية، وهو تطور يوفر موارد إضافية ويساعد على تخفيف الضغوط على الخزينة. لكن أثر هذه الزيادة يتوقف على انتظام الصادرات والأسعار المحققة وتوقيت تحصيل عائداتها، مقارنة بالالتزامات المستحقة.

 وقد كشفت حرب إيران عن مدى تأثر المالية العراقية باضطرابات حركة تصدير النفط عبر الخليج، في ظل محدودية قدرات المنافذ البديلة. ومع تحسن الصادرات، يمكن أن تتراجع الحاجة إلى الاقتراض لتغطية النفقات العاجلة، فيما تستمر الحاجة إلى معالجة الاختلالات المرتبطة بارتفاع الإنفاق وضعف الإيرادات غير النفطية.

وهذا التمييز أساسي لفهم الخيارات المتاحة أمام بغداد. فالنقص المؤقت في السيولة يمكن التعامل معه عبر أدوات تمويل قصيرة الأجل، بينما تتطلب معالجة العجز المستمر إجراءات مالية تقلص الفجوة بين الإيرادات والنفقات على مدى أطول.

التمويل الداخلي والخارجي

يمتلك العراق عدة أدوات لتلبية احتياجاته التمويلية، يتقدمها الاقتراض الداخلي عبر حوالات الخزينة والسندات الحكومية. ويوفر هذا الخيار موارد بالدينار، لكنه يزيد ارتباط المصارف المحلية، وخصوصاً الحكومية، بتمويل الدين السيادي، وقد يحد من قدرتها على توجيه الائتمان إلى القطاع الخاص.

أما التمويل الخارجي، فيتيح الحصول على موارد بالعملات الأجنبية وتنويع مصادر الاقتراض. ويمكن لبرنامج مع صندوق النقد الدولي أن يوفر دعماً مالياً يرتبط بإجراءات لتحسين إدارة المالية العامة وتعزيز الإيرادات، فضلاً عن تسهيل الحصول على تمويل إضافي من مؤسسات أخرى. وفي المقابل، يستطيع العراق الاستفادة من قروض البنك الدولي لتمويل المشاريع والبرامج التنموية، أو اللجوء إلى التمويل الثنائي وإصدار السندات الدولية وفق الكلفة والشروط المتاحة.

وتبقى قدرة الحكومة على ضبط الاحتياجات التمويلية مرتبطة أيضاً بتحسين التحصيل الضريبي والجمركي، ورفع كفاءة الإنفاق، وتوجيه الموارد إلى المشاريع ذات العائد الاقتصادي. ومن شأن التقدم في هذه المجالات تخفيف الاعتماد على الاقتراض وتوفير مساحة مالية أوسع للإنفاق الاستثماري.

الحاجة إلى التمويل تحسمها الأرقام

يمنح تحسن الصادرات النفطية الحكومة العراقية مرونة أكبر في إدارة التزاماتها واختيار مصادر التمويل، لكن استدامة هذا التحسن تبقى مرتبطة بأوضاع أسواق النفط وانتظام حركة التصدير. وفي الوقت نفسه، يكشف حجم الاقتراض الداخلي والمحادثات مع صندوق النقد الدولي عن استمرار الحاجة إلى إدارة الضغوط المالية.

وبذلك، يقتصر النفي الحكومي على قرض محدد من خمس دول، فيما يبقى الاقتراض من مصادر أخرى خياراً قائماً، خصوصاً في ضوء المحادثات الجارية مع صندوق النقد الدولي.

 وسيكون حجم العجز الفعلي، وتطور رصيد الدين الداخلي، ونتائج المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، المؤشرات الأوضح لتحديد طبيعة احتياجات العراق التمويلية خلال الفترة المقبلة، ومدى قدرته على خفض الاعتماد على الاقتراض مع استقرار الإيرادات النفطية.

مشاركة المقال