الإقتصاد والأعمال - AL-IKTISSAD WAL-AAMAL

رفع سقوف السحوبات وحماية القيمة الحقيقية للودائع ضرورة اقتصادية

رفع سقوف السحوبات وحماية القيمة الحقيقية للودائع ضرورة اقتصادية
وليد ابو سليمان

كتب الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان تغريدة على منصة "إكس"، تناول فيها تداعيات استمرار القيود على الودائع، وضرورة رفع سقوف السحوبات وحماية القيمة الحقيقية لأموال المودعين.

وقال أبو سليمان إنه في ظل الارتفاع المستمر في كلفة المعيشة والتضخم وتآكل القدرة الشرائية، لم يعد مقبولاً أن تبقى ودائع الناس محجوزة بالسقوف نفسها وكأن قيمة المال ثابتة مع مرور السنوات. فالمشكلة لم تعد فقط في عدم قدرة المودع على الوصول إلى أمواله، بل في أن كل شهر إضافي من القيود يعني خسارة إضافية في القيمة الحقيقية لرأس ماله، وفقداناً لعائد كان يمكن أن يتحقق، وضياعاً لفرص استثمارية واستهلاكية مشروعة.

وفي هذا السياق، ولتقدير كلفة الزمن على رأس المال، يكفي مثال بسيط: 100 دولار كانت موجودة عام 2019 لا تحمل اليوم القيمة الاقتصادية نفسها. باستخدام التضخم الأميركي كمرجع محافظ، تراجعت قوتها الشرائية بنحو 24 في المئة. وإذا أضيف إلى ذلك عائد مركب افتراضي متواضع قدره ٥ في المئة سنوياً خلال هذه الفترة، فإن القيمة الاقتصادية المقارنة تنخفض إلى حدود 53 دولاراً. هذا الرقم ليس قيمة محاسبية للوديعة، بل مؤشر مبسط على الكلفة الاقتصادية لتجميد رأس المال لسنوات، بين تآكل القوة الشرائية وفقدان العائد وتراجع قيمة الفرص التي حرم منها صاحب المال.

وانطلاقاً من ذلك، يصبح رفع سقوف السحوبات ضرورة اقتصادية وليس مجرد تعديل مصرفي أو إجراء تقني. المطلوب هو الانتقال من سقوف جامدة إلى آلية واضحة ودورية تراجع السقوف وفق التضخم وتطور كلفة المعيشة، بحيث لا يتحول عامل الزمن إلى أداة إضافية لتقليص القيمة الحقيقية لما يستطيع المودع استرداده. فالتأخير بحد ذاته له كلفة مالية، وهذه الكلفة لا يجوز أن تبقى خارج أي معالجة للودائع.

وفي المقابل، فإن أي مخاوف من أن يؤدي تحرير السيولة إلى زيادة الضغوط التضخمية يجب أن تعالج من جهة الاقتصاد الحقيقي، لا عبر إبقاء أموال المودعين مقيدة. المطلوب بالتوازي زيادة الإنتاج المحلي، خفض كلفة الطاقة والنقل، تحسين بيئة الأعمال، تحفيز الاستثمار، وتوسيع القدرة التصديرية. السيولة بحد ذاتها ليست المشكلة؛ المشكلة عندما تدخل السيولة إلى اقتصاد محدود الإنتاج فتتحول بالكامل إلى طلب على السلع المستوردة والعملات الأجنبية.

وفي هذا الإطار، يمكن طرح مقاربة مختلفة: إعطاء المودع، وبشكل طوعي بالكامل، خيار توجيه جزء من أمواله المفرج عنها إلى استثمارات منتجة في الصناعة والزراعة والطاقة والسياحة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الموجهة للتصدير. بهذه الطريقة يمكن تحويل جزء من السيولة المجمدة إلى رأس مال منتج يولد قيمة مضافة وفرص عمل وإيرادات وعملات أجنبية، بدلاً من أن تتحول كل السيولة المحررة إلى استهلاك أو طلب إضافي على الدولار. لكن هذا الخيار يجب أن يبقى خياراً استثمارياً للمودع وليس بديلاً قسرياً عن حقه في استعادة أمواله.

وفي المحصلة، القاصي والداني يعرف اليوم أن المودع هو ضحية تراكم اختلالات في المالية العامة والدين والسياسة النقدية والقطاع المصرفي، إلى جانب ضعف الإنتاج والاعتماد على الاستيراد وارتفاع كلفة الطاقة وتراجع الاستثمار والصادرات. لذلك، لا يجوز أن تتحول إعادة الهيكلة إلى آلية لتحميل المودع مرة أخرى كلفة اختلالات لم يكن هو سبباً فيها. المطلوب هو توزيع الخسائر وفق المسؤوليات والأصول والالتزامات الفعلية، مع إعطاء حماية حقوق المودعين الأولوية التي تفرضها طبيعة هذه الأموال.

وفي ضوء ذلك، المودع ليس سبب الأزمة، وليس صندوقاً لامتصاص خسائرها. لقد تحمل بالفعل سنوات من القيود وتآكل القيمة وفقدان العائد والفرص. وكل معالجة جدية يجب أن تنطلق من الاعتراف بأن استعادة الودائع ليست فقط مسألة عدالة، بل أيضاً شرط أساسي لإعادة بناء الثقة في النظام المالي وإعادة تكوين الادخار والاستثمار في الاقتصاد اللبناني.

وعليه، المطلوب اليوم ليس إدارة الودائع المحجوزة إلى ما لا نهاية، بل مسار واضح وقابل للقياس لاستعادتها، يبدأ برفع السقوف بشكل تدريجي ومنهجي، يحمي القيمة الحقيقية لما يسترده المودع، ويوازي ذلك إصلاح مالي ومصرفي ونقدي، مع إعادة بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على التصدير. حماية المودع ليست عائقاً أمام التعافي؛ بل هي إحدى الركائز التي لا يمكن من دونها استعادة الثقة وإعادة إطلاق الدورة الاقتصادية.

 

مشاركة المقال