ساهمت الاضطرابات الإقليمية في دفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، إذ تجاوز خام برنت 106 دولارات للبرميل في 14 تشرين الأول/أكتوبر. ويصب هذا الارتفاع في مصلحة العراق، الذي يعتمد بصورة كبيرة على العائدات النفطية لتمويل الإنفاق العام.
وتوضح مقارنة حسابية أثر الأسعار على الإيرادات: فتصدير 3.6 ملايين برميل يومياً بسعر افتراضي يبلغ 70 دولاراً للبرميل يحقق إيرادات إجمالية قدرها 252 مليون دولار يومياً، مقابل 270 مليون دولار عند تصدير 2.7 مليون برميل بسعر 100 دولار. وهذا يعني أن ارتفاع الأسعار يستطيع، عند مستويات معينة، تعويض انخفاض الكميات بالكامل، بل وتحقيق إيرادات أعلى.
لكن هذه المقارنة لا تمثل الإيرادات العراقية الفعلية، لأن أسعار بيع الخام العراقي تختلف عن برنت، كما تأثرت خلال الأزمة بالخصومات التجارية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين. وبالتالي، فإن المكاسب التي يتيحها ارتفاع الأسعار تعتمد على قدرة العراق على بيع نفطه بشروط مجزية.

المنافذ الجنوبية تقود التعافي
تحقق الجزء الأكبر من زيادة الصادرات عبر المنافذ الجنوبية، التي تصدر حالياً نحو 2.4 مليون برميل يومياً، مقابل قرابة 300 ألف برميل عبر المنافذ الشمالية، وفق بيانات وزارة النفط. وتعكس هذه الأرقام استمرار الاعتماد الكبير على الخليج، رغم الجهود المبذولة لتوسيع استخدام المسارات البديلة.
وساعد تحسن حركة الناقلات عبر هرمز على زيادة الإنتاج والشحنات العراقية خلال الأشهر الأخيرة. وقد ارتفع إنتاج العراق إلى نحو 4.4 ملايين برميل يومياً في أيلول/سبتمبر، وفق بيانات نشرتها "فايننشال تايمز"، في مؤشر إلى استعادة نشاط الحقول بعد الانخفاضات التي فرضتها الحرب.
كما يسعى العراق إلى المحافظة على حصته في الأسواق الآسيوية وسط منافسة متزايدة بين المنتجين لاستعادة المشترين، بعدما دفعت اضطرابات الإمدادات المصافي إلى تنويع مصادر الخام. وتبرز أهمية انتظام الشحنات وشروط التسعير في هذه المنافسة، خصوصاً مع استمرار ارتفاع تكاليف النقل والمخاطر الأمنية.
جيهان يوفر فرصة لزيادة الصادرات
يمثل خط الأنابيب العراقي التركي إلى ميناء جيهان المنفذ البديل الأهم المتاح حالياً لزيادة الصادرات بعيداً عن هرمز. وقد وقع البلدان في مطلع آب/أغسطس اتفاقاً لمدة عام يستهدف نقل 750 ألف برميل يومياً، تمهيداً لاتفاق أوسع للتعاون في الطاقة.
غير أن بلوغ هذا المستوى يتطلب توفير كميات إضافية من الخام وربطها بمنظومة التصدير الشمالية. فمعظم الإنتاج العراقي يتركز في الجنوب، بينما تبقى قدرات نقله إلى الشمال محدودة، ما يجعل الاستفادة الكاملة من طاقة الخط التركي مرتبطة بتطوير شبكة الأنابيب الداخلية.

وقد لجأ العراق إلى نقل بعض الكميات من الجنوب إلى كركوك بالشاحنات تمهيداً لتصديرها عبر جيهان، لكن هذا الخيار لا يوفر بديلاً اقتصادياً لنقل مئات الآلاف من البراميل يومياً عبر الأنابيب.
بانياس مشروع استراتيجي طويل الأجل
أعادت الحرب إحياء مشاريع خطوط الأنابيب نحو البحر المتوسط، وأبرزها المسار العراقي السوري إلى ميناء بانياس. وفي 17 تموز/يوليو 2026، وقع البلدان مذكرة تفاهم بشأن إعادة إنشاء هذا المسار، بمشاركة "شيفرون" الأميركية وائتلاف يضم "تي آي كابيتال" و"يو سي سي القابضة" القطرية لإجراء الدراسات الفنية والمالية.
خزانات بانياس
وبحسب تقرير نشرته "رويترز" في 17 آب/أغسطس، يتطلب المشروع إنشاء شبكة أنابيب جديدة تربط الحقول العراقية بمركز تجميع في حديثة ومنها إلى بانياس، بتكلفة لا تقل عن 15 مليار دولار وفترة تنفيذ تُقدر بأربع سنوات. ويستهدف المشروع طاقة أولية تبلغ مليوني برميل يومياً، لكن هذه القدرة تبقى ضمن التصورات الأولية وليست طاقة متاحة حالياً.
ويمكن لهذا المسار، إلى جانب توسيع الربط مع تركيا، أن يغير مستقبلاً هيكل الصادرات العراقية ويقلص اعتمادها على مضيق هرمز. غير أن هذه المشاريع لن تؤثر بصورة ملموسة على معالجة انعكاسات الأزمة الحالية، نظراً إلى حجم الاستثمارات والوقت المطلوب لتنفيذها.
وهكذا، فإن الأولوية العراقية في المدى القريب تتمثل في استكمال التعافي عبر المنافذ القائمة، ورفع الصادرات الشمالية حيث تسمح القدرات التشغيلية، والاستفادة من ارتفاع الأسعار لتعزيز الإيرادات. أما على المدى البعيد، فقد كشفت الحرب الحاجة إلى شبكة تصدير أكثر تنوعاً، تستطيع حماية تدفقات النفط العراقي وتقليص تعرضها للاضطرابات الإقليمية.