تتمتع السعودية والإمارات بعلاقات اقتصادية متقدمة مع الصين، لكن لكل منهما مقومات مختلفة. فالسعودية توفر سوقاً كبيرة وفرصاً واسعة للصناعات والطاقة والبنية التحتية، بينما تمثل الإمارات مركزاً دولياً للتجارة والتمويل والخدمات اللوجستية.
أما عُمان، فتملك فرصة لتطوير دور متخصص يرتكز على الموانئ والصناعات الموجهة للتصدير، مستفيدة من مواقع الدقم وصلالة وصحار واتصالها بالمحيط الهندي والأسواق الآسيوية والأفريقية.
وتبرز ميزة إضافية لميناءي الدقم وصلالة في وقوعهما خارج مضيق هرمز، بما يوفر خيارات لوجستية إضافية في ظل اضطرابات الملاحة. ومع أن هذه الميزة لا تعزل السلطنة عن المخاطر الإقليمية، فإنها تعزز جاذبيتها لتوطين الصناعات ومرافق التخزين والتوزيع.
ويضاف إلى ذلك موقع عُمان الدبلوماسي، وقدرتها على الحفاظ على قنوات التواصل والتعاون مع مختلف القوى الإقليمية والدولية. وقد عكس البيان المشترك للزيارة اهتمام البلدين باستعادة الملاحة الآمنة في مضيق هرمز، ودعم الحلول الدبلوماسية لحرب إيران، ما يؤكد الترابط بين المصالح الاقتصادية الصينية والاستقرار الإقليمي.
البناء على تجارة النفط لاستقطاب الاستثمار
تستند العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى قاعدة تجارية كبيرة، إذ بلغت المبادلات الثنائية نحو 9.6 مليارات ريال عُماني (25 مليار دولار) عام 2025، منها 7.7 مليارات ريال (20 مليار دولار) صادرات عُمانية إلى الصين، مقابل 1.9 مليار ريال (5 مليارات دولار) واردات عُمانية من الصين. وبذلك حققت عُمان فائضاً تجارياً مع الصين بلغ نحو 5.8 مليارات ريال (15 مليار دولار).

وتظهر هذه الأرقام مركزية النفط والغاز في الصادرات العُمانية إلى الصين، مقابل واردات متنوعة من المعدات والآلات والمنتجات الصناعية والتكنولوجية.
لكن الحضور الاستثماري الصيني المباشر يبقى أقل شأناً، إذ بلغ رصيده نحو 904 ملايين ريال حتى نهاية يونيو/حزيران 2026، ارتفاعاً من 798 مليون ريال في عام 2024. ويبرز هذا التفاوت بين التجارة والاستثمار فرصة لتوسيع الوجود الإنتاجي الصيني في السلطنة.
وتعود محاولات استقطاب الاستثمارات الصناعية الصينية إلى عُمان إلى سنوات سابقة. ففي عام 2016، أُطلقت مبادرة إنشاء المجمع الصناعي الصيني العُماني في الدقم، باستثمارات مستهدفة بلغت نحو 10 مليارات دولار، بهدف تطوير مشروعات صناعية تستفيد من موقع السلطنة وموانئها للوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية. لكن تنفيذ المشروعات لم يواكب الطموحات الأولية، ما يعكس الفجوة بين الفرص الاستثمارية المعلنة وتحويلها إلى مشروعات إنتاجية فعلية. وتكتسب هذه التجربة دلالة خاصة في ضوء الاتفاقيات الجديدة، ومدى قدرتها على تجاوز العقبات التي واجهت المبادرات السابقة."
وفي المقابل، شهد يونيو/حزيران 2026 الإعلان عن مشروع صيني جديد في الدقم باستثمارات تبلغ 500 مليون دولار لتصنيع مواد تدخل في إنتاج بطاريات الليثيوم، بطاقة إنتاجية مستهدفة تبلغ 2000 طن سنوياً في المرحلة الأولى، ترتفع إلى 5000 طن سنوياً مع استكمال التوسعة في المرحلة الثانية. ويمثل المشروع نموذجاً للصناعات التقنية التي تسعى السلطنة إلى استقطابها لخدمة الأسواق العالمية.

رؤوس الأموال الصينية في خدمة التصنيع
تكشف اتفاقيات الزيارة عن توجه لربط التمويل الصيني بالمشروعات الصناعية واللوجستية العُمانية. فقد شملت اتفاقية شروط أولية لإنشاء صندوق مشترك بقيمة 800 مليون دولار مع صندوق طريق الحرير الصيني، يُخصص الجزء الأكبر منه للاستثمار في السلطنة، وصندوقاً ثانياً بقيمة 300 مليون دولار مع بنك التجار الصيني (China Merchants Bank CMB)، امتداداً لشراكة بدأت عام 2019.
وامتدت الاتفاقيات إلى الطاقة الشمسية وتصنيع محولاتها وتخزين الكهرباء والتعدين، إضافة إلى تعاون مجموعة أسياد مع شركة "جيه دي.كوم" لإنشاء ثلاثة مخازن للتوزيع في مسقط وخزائن وصحار، تستهدف خدمة أسواق الخليج وشرق أفريقيا.
وأضيف إلى هذا التعاون بعد مالي عبر اتفاق مبادلة عملات بقيمة 30 مليار يوان (4.47 مليارات دولار) لمدة خمس سنوات، إلى جانب التعاون في المدفوعات الرقمية، بما يوفر أدوات لتسهيل المعاملات التجارية والاستثمارية.
فرصة لبناء دور إقليمي أكثر تأثيراً
تمنح الزيارة السلطانية الشراكة الاقتصادية زخماً يتقاطع مع أهداف "رؤية عُمان 2040" ومبادرة "الحزام والطريق" الصينية. وقد عبّر السلطان هيثم خلال لقائه رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ عن تطلع السلطنة إلى تطوير قدرات إنتاجية وتقنية أكثر تنوعاً واستدامة.
وتكمن الفرصة الأكبر في توسيع دور عُمان داخل شبكة المصالح الصينية في الخليج، عبر تحويل مناطقها الاقتصادية إلى مواقع للإنتاج والتصدير، وربطها بالموانئ وشبكات التوزيع والأسواق الإقليمية.
وتعزز الاتفاقيات الجديدة فرص استقطاب استثمارات صناعية صينية إلى عُمان، وتوسيع مشاركة الشركات والكفاءات العُمانية في المشروعات المشتركة. وهذا ما يدعم تطور دور السلطنة كإحدى الركائز الصناعية واللوجستية للحضور الصيني في الخليج.