ويضيف: "ديوان المحاسبة وثق في تقرير إيرادات فائتة بقيمة 129 مليون دولار سنويا منذ العام 2023 لليوم. تخيّل أننا في لبنان لدينا أكثر من مليون مشترك انترنت أي ثلثي السوق في شبكات غير شرعية. الارتفاع الكبير في عدد المشتركين في هذه الشبكات نتج عن ارتفاع الطلب على اشتراكات الداتا، في الوقت الذي لم تتمكن فيه مؤسسات الدولة من تلبية هذا الطلب، بسبب عدم مواكبة تطوير القطاع للطلب المتنامي. الوزارة أطلقت مشروع شبكة الفايبر لتلبية الطلب، لكن الخطة معرقلة منذ العام 2019 ولم ينفّذ منها سوى 25 في المئة بسبب توقف التمويل. في المحصلة أوقفت الوزارة عملية التطوير ونشر الشبكات، فيما كانت الشبكات غير الشرعية تتمدد وتتوسّع. كان يجب أن تتعامل الوزارة مع هذه الأزمة، لكنها لم تفعل، مع العلم أن وزير الاتصالات السابق جوني قرم أصدر المرسوم 9458 عام 2022 الذي يعالج في قسم منه قضية الشبكات المخالفة من خلال تنظيم عقودها ودفع رسم عن كل مشترك والزامها بصيانة الشبكة. هذا المرسوم جاء لينظم العلاقة بين الوزارة والشبكات غير الشرعية، لكن حتى اليوم لم تصدر آلياته التطبيقية. والنتيجة، حصة أوجيرو اليوم من عدد المشتركين بالانترنت في لبنان تناهز 25 في المئة، بينما كانت حصتها في العام 2021 أكثر من 50 في المئة. آخر تقرير لديوان المحاسبة يُظهر أن 10 في المئة فقط من اشتراكات الانترنت الثابت يمر عبر الوزارة".
ويضيف: "اليوم نحن بظل عهد جديد وحكومة مشروعها الإصلاح، وبالرغم من هذا لم يتم تنفيذ مرسوم تنظيم عمل الشبكات غير الشرعية. إذا كنا لا نريد هذا المرسوم يجب تعديله، لأننا لا نستطيع أن نترك أكثر من ثلثي السوق للشبكات غير الشرعية. وهذا أمر لا يمكن المماطلة فيه، لأن عدم التطبيق يجعل أوجيرو بلا دور. وهنا أسأل: إذا كان وزير الاتصالات شارل الحاج يريد الآن تطبيق القانون 431 وصولا إلى إنشاء "ليبان تيليكوم" Liban Telecom بحسب ما ينص عليه القانون، كم ستبلغ حصتها من السوق؟ 10 في المئة؟ وإذا كان القطاع غير منظّم، ونريد تطبيق قانون عمره 24 عاما، ألن نصل بهذا إلى وضعية نبيع فيها جزءاً من ليبان تيليكوم بسعر زهيد؟ واعطيك مثلا بسيطا، إذا كان لديك سيارة وتريد بيعها، ألا تحاول أولا صيانتها وترتيب وضعها قبل البيع؟ يجب إصلاح القطاع وترتيب وضعه قبل تفعيل ليبان تيليكوم وإدخال شريك استراتيجي".
والحل بحسب منصور يبدأ بتطبيق المراسيم وإيقاف المخالفات وضبط وضع الشبكات والسماح بتطبيق المرسوم 3260 الذي يسمح لـ "مزودي خدمات نقل البيانات" DSPs بمد الشبكات وتوسيع شبكات الوزارة. كل هذه المسارات ضرورية لرفع قيمة أصول الوزارة، وعندها نتوجه لتنفيذ القانون 431، وهذا سيساعد لاحقا في تنفيذ قانون الفجوة المالية عبر تغذية صندوق استرداد الودائع".
"مزراب" الخلوي
ويتابع منصور تعداد "مزاريب" الهدر، فيقول: "ثاني أكبر مصدر للهدر هو شركتا الخلوي. لقد استردت الدولة إدارة وتشغيل الشركتين في العام 2020، وكان من المفترض تحسين الإدارة فيهما خصوصا وأن ديوان المحاسبة أكد وجود تضخّم في مصاريفهما. بين عامي 2010 و2020 وصلت المصاريف في الشركتين إلى 6 مليارات دولار، وقد دقّ ديوان المحاسبة ناقوس الخطر بسبب أسلوب الصرف وحجمه. وعلى سبيل المثال لا الحصر، رصد الديوان تضخيماً في قيمة عقد إنشاء شبكة الجيل الثالث من 25 مليون دولار إلى 128 مليونا في شركة تاتش، وهو ما حصل أيضا في "ألفا" وإن بطرق مختلفة. لقد تم إجراء تلزيمات لا مبرر لها بمبالغ خيالية، وهذا هدر فاضح للمال العام".
وشرح قائلا: "استلمت الوزارة إدارة الشركتين، لكنها لم تجر إصلاحات وحوكمة، ولم تضع آليات واضحة للتعاون وغابت الشفافية والرقابة، وباتت العلاقة مباشرة بين الوزارة والشركتين. وهنا يحق لنا أن نسأل الحكومة هل يوجد بلد في العالم حاليا تمتلك فيه الحكومة مشغلي الاتصالات؟. عندما استردت الحكومة الشركتين قالت أن هذه خطوة تحضيرية للتزليم. وهنا علينا التوقف قليلا للتذكير بأن المقاربة التي نعتمدها في القطاع عام 2026 تتشابه كثيرا مع مرحلة العام 2004 التي كان يسودها الهدر والفساد. على الحكومة الأخذ بالاعتبار الارتكابات في القطاع، وتوصيات التقارير الدولية. صندوق النقد أصدر تقريرا عن الفساد ونشره في تموز الماضي، وعندما تحدث عن الحوكمة والفساد، أكد أن الفساد في لبنان "ممأسس" بسبب ضعف الرقابة الحكومية. وعندما تحدث الصندوق عن قطاع الخلوي، أكد أن وزير الاتصالات يتعامل مع الشركتين وكأنه رئيس تنفيذي لهما، وأي انفاق يزيد عن 25 ألف دولار فيهما يحتاج إلى موافقته. ووصف صندوق النقد مجالس إدارة الشركتين بـ "مجالس فولكلورية"، لأن القرار النهائي لوزير الاتصالات. المشكلة اليوم في شركتي الخلوي هي نقص الشفافية والحوكمة. لا أعتقد أن لدينا نقصا في الكوادر أو المهارات لتشغيل القطاع، لكن علينا تنظيم عمل الشركات وتطويرها، وعندما نصل إلى الهدف المنشود نبدأ بدراسة فرص بيع الحصص والأصول. ولهذا إن ما يفعله وزير الاتصالات حاليا هو تحضير لبيع الحصص في القطاع بسعر بخس وبلا إصلاحات.
الحقيقة المرّة
ويختم منصوري قائلا: "لا يجوز التوجه نحو تفعيل ليبان تيليكوم ومنح عقود إدارة وتشغيل لمشغلين جُدد في الخلوي من دون إجراء الإصلاحات والأخذ بتوصيات ديوان المحاسبة وتحديث قانون الاتصالات وتطبيق الحوكمة الرشيدة المنصوص عليها في كل التقارير الدولية. وما يحصل اليوم هو محاولة بيع أصول القطاع بـ "رخيص" وهو ما سيسبب ضررا كبيرا للاقتصاد الوطني بكل قطاعاته والمستهلكين والمجتمع عموما، فضلا عن التفريط بأصول الدولة. لقد حضرت ورقة حوكمة للقطاع بالتعاون مع جمعية SMEX ونشرناها عام 2025 وتبنتها لجنة الاعلام والاتصالات. وثمة قانون عصري للاتصالات يحمل الرقم 2025/150 قدمه 3 نواب هم بولا يعقوبيان وحليمة القعقور وياسين ياسين، وهو موجود على جدول أعمال اللجان المشتركة لمناقشته، وهذه بداية الطريق للوصول إلى قانون اتصالات حديث ومتكامل. قطاع الاتصالات كلف لبنان الكثير، وما وُصف بنفط لبنان هو عمليا مال أخذناه من جيوب الناس كريوع، من دون تطوير الخدمات والبنية التحتية والاستثمار في القطاع. مصلحة لبنان هي تطوير القطاع فورا، وتنفيذ الإصلاحات الضرورية وإدخال القطاع الخاص إليه وفق الأصول واحترام المال العام وزيادة الإيرادات قبل البيع. علينا أن نجذب مشغلا للاتصالات يدفع للدولة اللبنانية بدل أن ندفع له لقاء الادارة، وهذه بداية الطريق".