
قناة السويس.. كلفة اضطرابات البحر الأحمر
تقدم إيرادات قناة السويس مؤشراً واضحاً على الكلفة الاقتصادية لاضطرابات البحر الأحمر. فبعد أن سجلت القناة إيرادات قياسية بلغت نحو 10.25 مليار دولار في عام 2023، تراجعت إلى نحو 3.99 مليار دولار في عام 2024، بانخفاض يقارب 61 في المائة، ما يعادل خسارة نحو 6.26 مليار دولار مقارنة بالعام السابق. وجاء هذا التراجع في ظل اضطراب الملاحة وتحويل شركات شحن مسارات سفنها بعيداً عن البحر الأحمر.
ومع تحسن حركة الملاحة تدريجياً، ارتفعت الإيرادات إلى نحو 4.67 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026، بزيادة تقارب 23 في المائة عن السنة المالية السابقة، وفق بيانات أعلنها رئيس هيئة قناة السويس في يونيو (حزيران) 2026. ورغم هذا التحسن، ظلت الإيرادات دون المستوى القياسي المسجل في عام 2023، بما يعكس استمرار التحديات التي تواجه الممر الملاحي.
وتبرز هذه التطورات أهمية أمن الملاحة بالنسبة إلى الاقتصاد المصري، نظراً إلى دور القناة في توفير النقد الأجنبي وربط التجارة بين آسيا وأوروبا. ومن هذا المنطلق، يكتسب تأكيد القمة حرية الملاحة والتنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر أهمية اقتصادية، في ظل ما يمكن أن تسببه الاضطرابات من خسائر في الإيرادات وارتفاع في تكاليف النقل والتأمين.
السودان.. الحرب تعطل الاقتصاد
يمثل السودان أحد أبرز الملفات المطروحة في أي تحرك إقليمي، في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، وما خلفته من أضرار طالت الإنتاج والبنية التحتية والتجارة والخدمات. ولم تتوقف تداعيات الحرب عند الحدود السودانية، بل امتدت إلى الدول المجاورة من خلال النزوح والاحتياجات الإنسانية واضطراب حركة السلع والإمدادات.
وعلى الرغم من امتلاك السودان موارد زراعية ومعدنية وموقعاً يربط وادي النيل بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر، فإن استمرار القتال يحد من قدرته على استثمار هذه المقومات، ويضعف فرصه في أن يصبح مركزاً للإنتاج والتجارة والخدمات اللوجستية.
وفي هذا السياق، أكد القادة دعم سيادة السودان ومؤسساته الوطنية، ورفض الكيانات الموازية، إلى جانب الدعوة إلى عملية سياسية «سودانية الملكية والقيادة». وتتجاوز أهمية هذه المواقف البعد السياسي، إذ يرتبط التعافي الاقتصادي بوقف الصراع، وإعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة النشاط الإنتاجي، وتهيئة بيئة مستقرة تسمح بعودة الاستثمارات.
إثيوبيا.. الغائب الحاضر
حضر التوتر بين إثيوبيا وإريتريا في خلفية القمة، في ظل تصاعد الخلافات بين البلدين. وتكتسب مسألة الوصول إلى البحر أهمية خاصة لأديس أبابا، التي أصبحت دولة غير ساحلية منذ استقلال إريتريا عام 1993، وتسعى إلى تأمين منفذ بحري يخدم احتياجات تجارتها الخارجية.
ولا يقتصر هذا الملف على الخلاف السياسي، إذ يرتبط الوصول إلى الموانئ بتكاليف النقل والتجارة، فيما قد يؤدي تصاعد التنافس على المواقع الساحلية إلى زيادة المخاطر أمام الاستثمار وحركة الشحن في القرن الأفريقي.
لم يتضمن بيان القمة إعلاناً عن تشكيل تحالف ضد إثيوبيا، بل أكد احترام سيادة الدول وحرية الملاحة ومسؤولية الدول المطلة على البحر الأحمر عن إدارة شؤونه. وفي غياب أديس أبابا، بقيت قضايا وصولها إلى البحر وخلافاتها بشأن مياه النيل خارج التشاور المباشر، ما يجعل الحوار معها ضرورياً لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.
الصومال.. أمن خليج عدن يرتبط بالاستقرار
أكد القادة دعم وحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه، ورفض الاعتراف بما يسمى «أرض الصومال»، إلى جانب مساندة جهود الحكومة في مكافحة الإرهاب وتعزيز مؤسسات الدولة. كما دعوا إلى توفير تمويل مستدام وقابل للتنبؤ لبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال.
ويكتسب هذا الملف أهمية اقتصادية بالنظر إلى موقع الصومال على خليج عدن وقربه من طرق الملاحة المؤدية إلى البحر الأحمر. فاضطراب الأوضاع الأمنية قد يرفع مخاطر النقل البحري وتكاليف التأمين، ويحد من جاذبية الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية والخدمات اللوجستية. وفي المقابل، يمكن لتحسن الاستقرار أن يدعم تطوير هذه القطاعات وتوسيع دور الصومال في حركة التجارة الإقليمية.

جغرافيا المصالح.. من الممرات إلى النيل
تمنح المواقع الجغرافية للدول الأربع أهمية في حركة التجارة الإقليمية والدولية؛ فمصر تربط البحرين المتوسط والأحمر عبر قناة السويس، ويطل السودان وإريتريا على الساحل الغربي للبحر الأحمر، فيما يمتد الساحل الصومالي على خليج عدن والمحيط الهندي، بالقرب من طرق الملاحة المؤدية إلى باب المندب. وتوفر هذه المواقع فرصاً للتعاون في تأمين الممرات البحرية، وتعزيز كفاءة الموانئ، وتيسير تدفقات التجارة وتطوير شبكات النقل.
ويمتد التنسيق بين مصر والسودان إلى ملف مياه النيل، الذي يرتبط مباشرة بالاستخدامات المائية والإنتاج الزراعي والأمن الغذائي في الدولتين. وقد شدد البيان الختامي على احترام القانون الدولي المنظم للأنهار العابرة للحدود، ولا سيما مبدأ عدم الإضرار، والتعاون عبر الإخطار المسبق والتشاور والتوافق، رافضاً الإجراءات الأحادية التي تضر بالاستخدامات المائية القائمة لدولتي المصب.
ويلتقي الملفان عند تقاطع الأمن والاقتصاد، إذ تنعكس سلامة الممرات البحرية على تكاليف الشحن والتأمين وحركة التجارة، فيما تؤثر إدارة مياه النيل في الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي. غير أن البيان لم يعلن عن خطوات تنفيذية جديدة لضمان أمن الملاحة، أو تحقيق تقدم في ملف سد النهضة، مكتفياً بتأكيد المبادئ المشتركة، فيما يظل التقدم مرهوناً باستمرار التنسيق الإقليمي والمفاوضات بين الأطراف المعنية.
التعاون الاقتصادي.. إمكانات تنتظر التنفيذ
تستند فرص التعاون بين الدول الأربع إلى مقومات جغرافية واقتصادية متنوعة؛ فمصر تمتلك قناة السويس وشبكة من الموانئ ووسائل النقل وسوقاً كبيرة، فيما يتمتع السودان بموارد زراعية ومعدنية، وتكتسب إريتريا أهمية استراتيجية بفضل موقعها على البحر الأحمر، بينما يطل الصومال على خليج عدن والمحيط الهندي.
وتتيح هذه المقومات فرصاً للتعاون في مجالات التجارة والنقل والخدمات اللوجستية والبنية التحتية والطاقة والأنشطة الإنتاجية. غير أن الاستفادة منها تتطلب تحديد أولويات التعاون، وتأمين التمويل اللازم، ووضع آليات واضحة للتنفيذ والمتابعة، إلى جانب الحد من المخاطر الأمنية التي قد تعرقل المشروعات والاستثمارات.
لكن ترجمة هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة لا تزال مرهونة بخطوات التنفيذ. فالبيان لم يعلن عن تمويلات جديدة أو جداول زمنية محددة للمشروعات، ما يجعل فاعلية هذا التقارب مرتبطة بمدى تحويل التفاهمات إلى مبادرات عملية في التجارة والنقل والبنية التحتية، مع تحديد مؤشرات واضحة لقياس التقدم والنتائج.
اختبار القمة في نتائجها
تفتح قمة العلمين الرباعية إطاراً للتشاور بين مصر والسودان وإريتريا والصومال، في وقت تتداخل فيه التحديات الأمنية مع ملفات التجارة والممرات البحرية والموارد المائية. وتتمثل الخطوة التالية في ترجمة هذا التنسيق إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، سواء عبر تطوير التعاون التجاري واللوجستي أو تعزيز التنسيق بشأن أمن الملاحة.
لكن عدداً من الملفات المطروحة يتجاوز نطاق الدول المشاركة، وفي مقدمتها التوتر مع إثيوبيا والخلاف بشأن مياه النيل. وهو ما يجعل إحراز تقدم فيها مرتبطاً بالحوار مع الأطراف المعنية، إلى جانب استمرار التنسيق بين الدول الأربع.
وبذلك، لن يتوقف تقييم القمة على ما أعلنته من مبادئ وتفاهمات، بل على ما ستفضي إليه آلية المتابعة من مشروعات وإجراءات محددة يمكن قياس نتائجها. وستحدد مخرجات الاجتماعات المقبلة مدى قدرة هذا الإطار التشاوري على الانتقال من التنسيق السياسي إلى شراكة اقتصادية ملموسة، بما يساعد الدول الأربع على احتواء تداعيات الاضطرابات الإقليمية وتحويل موقعها الاستراتيجي إلى فرص للنمو والتكامل الاقتصادي.