تكشف التقارير والبيانات الأخيرة عن الحجم المتزايد للسباق الاستثماري في الذكاء الاصطناعي. إذ لم يعد التنافس يقتصر على تطوير نماذج أكثر تقدماً، بل امتد إلى امتلاك البنية التحتية والقدرات اللازمة لتشغيلها وتوسيع نطاق استخدامها. وفي هذا السياق، يشير بنك التسويات الدولية إلى أن أكبر خمس شركات عالمية في مجال الحوسبة السحابية تتجه إلى إنفاق أكثر من تريليون دولار على الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال عامي 2025 و2026. وتعكس هذا الأرقام رغبة الشركات في تعزيز دورها في سوق من المتوقع أن تميل فيه الحصة الأكبر من النشاط مستقبلاً إلى عدد محدود من اللاعبين القادرين على توفير البنية التحتية اللازمة.
ويشير البنك إلى أن هذا السباق يحمل بعض خصائص "الفائز يحصد معظم السوق"، حيث قد يدفع الخوف من فقدان الموقع التنافسي الشركات إلى زيادة استثماراتها حتى قبل اتضاح حجم الطلب والعوائد المرجوّة. ووفقاً لنماذج البنك، قد يتجاوز الاستثمار المستوى الأكثر كفاءة اقتصادياً بنحو 50 في المئة في بعض السيناريوهات، وقد ترتفع هذه النسبة عندما يكون الطلب أقل استجابة لتغيرات الأسعار. وبذلك، قد لا تعكس الزيادة في الإنفاق توقعات العوائد وحدها، وإنما أيضاً رغبة الشركات في تجنب التخلف عن المنافسين في سوق قد تكون فيه ميزة السبق ذات قيمة كبيرة.

بعد جيوسياسي يعقّد الحسابات
من جهة أخرى، يضيف التنافس بين القوى الاقتصادية الكبرى بُعداً جيوسياسياً إلى سباق الذكاء الاصطناعي. فالرقائق ومراكز البيانات والطاقة لم تعد مجرد مدخلات تجارية، بل أصبحت عناصر أساسية في السيادة التكنولوجية والأمن الاقتصادي وموازين القوة العالمية. وتكشف بيانات عام 2025 عن حجم هذا التنافس؛ إذ بلغ الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة نحو 285.9 مليار دولار، مقابل 12.4 مليار دولار في الصين، أي أكثر من 23 ضعفًا، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تعكس بالكامل التمويل الحكومي الصيني.
وتتسابق الشركات بدورها لتأمين مكونات منظومة الذكاء الاصطناعي، من الرقائق ومراكز البيانات إلى الطاقة. فقد أعلنت "غوغل" استثمار ما لا يقل عن 13 مليار يورو (15.1 مليار دولار) في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في فنلندا خلال عامي 2027 و2028، بينما رفعت "ألفابت" إنفاقها الرأسمالي المتوقع إلى ما بين 195 و205 مليارات دولار في 2026. كما دخلت "أمازون" في شراكة مع "كوالكوم" لتطوير رقائق مخصصة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بما يعكس انتقال المنافسة من تطوير النماذج والتطبيقات إلى السيطرة على مكونات المنظومة التكنولوجية. ويهدف هذا التحرك إلى ضمان الإمدادات والقدرات اللازمة للتوسع، وتقليل التعرض للاختناقات في قطاعات أصبحت ذات أهمية استراتيجية، فضلًا عن تعزيز الموقع التنافسي في سوق يتجاوز أثره حدود قطاع التكنولوجيا.
التمويل تحت اختبار العوائد
مع اتساع هذا السباق المحتدم، يبرز سؤال رئيسي آخر: من أين تأتي الأموال التي تموّل هذه الطفرة الاستثمارية؟ ففي المراحل الأولى، تستطيع الشركات تمويل جانب من استثماراتها من أرباحها وتدفقاتها النقدية، لكن تزايد الإنفاق يدفعها تدريجيًا إلى مصادر تمويل خارجية، ولا سيما الاقتراض والائتمان الخاص والتمويل غير المصرفي.
ويظهر هذا التحول بوضوح في تمويل البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ويشير بنك التسويات الدولية إلى انتقال تدريجي من الاعتماد على التدفقات النقدية التشغيلية إلى استخدام الدين، بالتزامن مع تنامي دور الائتمان الخاص وأساليب التمويل خارج الميزانية، خصوصاً في تمويل مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
وتزداد حساسية هذا التحول عندما لا تتحقق العوائد بالمستوى المتوقع. فارتفاع الاعتماد على الدين يعني أن الشركات تحتاج إلى تدفقات نقدية كافية ليس فقط لاسترداد تكلفة استثماراتها، وإنما أيضًا للوفاء بالتزاماتها المالية. وفي هذا الإطار، تظهر بيانات بنك التسويات الدولية أن شركات تطوير الأعمال الأميركية قدمت نحو 115 مليار دولار من القروض لشركات البرمجيات، بما يعادل قرابة خمس إجمالي إقراضها، وأكثر من 80 في المئة من محافظها الموجهة إلى قطاعات التكنولوجيا سريعة النمو.
وتتفاقم صعوبة التقييم مع سرعة التغير في قطاع البرمجيات نفسه. فالذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل نماذج الأعمال والمنتجات ومصادر الإيرادات لدى بعض الشركات المقترضة، ما يجعل تقدير قدرتها المستقبلية على تحقيق الأرباح والتدفقات النقدية أكثر تعقيدًا. وبالتالي، لا يتعلق الاختبار المالي بحجم التمويل وحده، بل بمدى قدرة النشاط الاقتصادي الذي يموله هذا رأس المال على توليد عوائد تتناسب مع تكلفته.
انطلاقاً من هنا، لا تشير طفرة التمويل بالضرورة إلى حدوث أزمة وشيكة، ولا تعني في المقابل أن كل استثمار فيها مبرر اقتصادياً. فالجدوى ستتحدد مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التوسع الاستثماري إلى مرحلة تحقيق مكاسب ملموسة في الإنتاجية والإيرادات والأرباح. وإذا جاءت هذه المكاسب متناسبة مع حجم رأس المال الذي جرى توظيفه وتكلفة تمويله، فإن الطفرة قد تؤسس لتحول تكنولوجي طويل الأمد؛ أما إذا اتسعت الفجوة بين تكلفة رأس المال والعوائد المحققة، فقد يصبح تصحيح التقييمات والإنفاق أمراً يصعب تجنبه.

بين الإنتاجية وتكلفة التمويل
لكن تقييم طفرة الذكاء الاصطناعي لا يكتمل بالنظر إلى حجم الإنفاق أو مصادر تمويله، إذ يبقى العامل الحاسم هو الإنتاجية التي يستطيع هذا الاستثمار توليدها. فالذكاء الاصطناعي قد يخفض تكاليف الإنتاج، ويرفع كفاءة العمليات، ويفتح مجالات جديدة للمنتجات والخدمات، بما يمكن أن ينعكس في النهاية على الإيرادات والأرباح.
غير أن انتقال هذه المكاسب من الإمكانات التكنولوجية إلى النتائج الاقتصادية لا يحدث بصورة فورية. فاعتماد الشركات على الذكاء الاصطناعي يتطلب في كثير من الحالات إعادة تنظيم العمليات، وتطوير المهارات، وتعديل أساليب الإدارة، وتهيئة البنية التحتية اللازمة. ولذلك، قد تسبق النفقات الرأسمالية الارتفاع الفعلي في الإنتاجية بفترة زمنية، ما يجعل السنوات الأولى من التوسع أقل قدرة على إظهار العوائد التي تبرر حجم الاستثمار.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين القيمة التكنولوجية والقيمة الاقتصادية. فقد تكون التكنولوجيا واعدة وقادرة على تغيير طبيعة الإنتاج على المدى الطويل، من دون أن يعني ذلك أن جميع التطبيقات أو الاستثمارات الحالية ستولد عوائد مرتفعة. وتحدد سرعة انتشار الاستخدامات الأكثر إنتاجية، وقدرة الشركات على دمجها في عملياتها، مقدار القيمة التي ستتحقق فعليًا من هذه الطفرة.
كما أن أثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد الكلي لن يتوقف على الشركات التي تطوره، بل يعتمد على مدى انتشاره في القطاعات الأخرى. فإذا انتقلت مكاسب الكفاءة إلى التصنيع والخدمات واللوجستيات والرعاية الصحية وغيرها، يمكن أن تتسع آثار التكنولوجيا من أرباح بعض الشركات إلى نمو أوسع في الإنتاجية. أما إذا بقي استخدامها متركزًا في عدد محدود من الأنشطة، فقد تكون المكاسب الاقتصادية الكلية أبطأ من التوقعات الحالية.
وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي للطفرة يتمثل في قدرتها على تحويل الاستثمار إلى مكاسب إنتاجية قابلة للقياس. فإذا اتسعت هذه المكاسب عبر الاقتصاد، أمكن تبرير حجم الإنفاق الحالي؛ أما إذا ظل نمو الإنتاجية دون وتيرة الاستثمار، فقد تتسع الفجوة بين التوقعات والقيمة الاقتصادية المتحققة.
ثورة حقيقية بتسعير غير مؤكد
قد تحمل الموجة الحالية للذكاء الاصطناعي ملامح تحول طويل الأمد، لكن تاريخ الابتكارات التكنولوجية يذكّر بأن نجاح التكنولوجيا لا يعني بالضرورة نجاح جميع من يراهنون عليها. فكثيرًا ما يسبق الحماس التجاري قدرة الأسواق على تقدير حجم المكاسب المتوقعة وتوقيت تحققها.
فالسكك الحديدية، على سبيل المثال، غيّرت وجه الاقتصاد، لكنها لم تحول دون انهيار شركات وإفلاس ممولين خلال موجات التوسع. والأمر نفسه ينطبق على الإنترنت، الذي أصبح لاحقًا جزءًا لا غنى عنه من النشاط الاقتصادي، رغم أن انفجار فقاعة شركات التكنولوجيا في نهاية تسعينيات القرن الماضي أودى باستثمارات ضخمة.
وفي خضم موجة الذكاء الاصطناعي الحالية، قد لا يكون التحدي في إثبات قدرة التكنولوجيا على إحداث تغيير واسع، بل في تحديد من سيحصد القيمة التي ستولدها، ومتى ستتحقق تلك المكاسب، وما الكلفة التي سيتوجّب تحمّلها للوصول إليها.