تأتي الاتفاقيات امتداداً لخطوات سعودية ساهمت في تهيئة الظروف لعودة سوريا إلى النشاط الاقتصادي والمالي الدولي. ففي مايو/أيار 2025، سددت السعودية وقطر متأخرات سوريا لدى المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، البالغة نحو 15.5 مليون دولار، ما أعاد أهليتها للحصول على تمويل جديد. وأعقب ذلك إقرار البنك منحة بقيمة 146 مليون دولار لتأهيل شبكات نقل الكهرباء ومحطات التحويل.
وتزامن ذلك مع دور دبلوماسي سعودي أساسي في دعم رفع العقوبات الأميركية، وصولاً إلى إعلان الرئيس دونالد ترامب توجهه من الرياض في مايو/أيار 2025، ثم صدور قرار تنفيذي في يونيو/حزيران دخل حيز التنفيذ مطلع يوليو/تموز، وإلغاء قانون قيصر في ديسمبر/كانون الأول، مع استمرار عقوبات محددة على أشخاص وجهات. وأسهمت هذه التطورات في تحسين الظروف القانونية والمالية للاستثمار والتعاملات الدولية.
القطاع الخاص السعودي يعزز حضوره
برز اهتمام القطاع الخاص السعودي بالسوق السورية من خلال زيارات متواصلة لوفود رجال الأعمال والشركات، ومشاريع واتفاقيات استثمارية في قطاعات متنوعة. ففي يوليو/تموز 2025، شهد المنتدى الاستثماري السعودي السوري في دمشق توقيع 47 اتفاقية ومذكرة بقيمة تقارب 6.4 مليارات دولار، شملت الطاقة والصناعة والعقارات والبنية التحتية والاتصالات والخدمات.

وتبرز شركة "أديس القابضة" بين الشركات التي انتقلت بمشاريعها إلى التنفيذ الميداني. فبعد توقيع اتفاقية مع الشركة السورية للبترول في ديسمبر/كانون الأول 2025، أبرمت عقداً تنفيذياً في أبريل/نيسان 2026 لتطوير حقول الغاز في المنطقة الوسطى بمحافظة حمص، وتسلمت مواقع العمل في يوليو/تموز. ويستهدف المشروع زيادة إنتاج الحقول بنسبة 25 في المئة خلال الأشهر الستة الأولى، وصولاً إلى 50 في المئة بحلول منتصف 2027، ورفع الإنتاج إلى نحو أربعة ملايين متر مكعب يومياً، بما يدعم توليد الكهرباء. ويشمل التعاون في قطاع الطاقة شركات سعودية أخرى، منها "طاقة" و"الحفر العربية" و"أرغاس".
وتوسع الحضور السعودي مع الإعلان في فبراير/شباط 2026 عن مشاريع لتطوير مطارين في حلب باستثمارات مستهدفة تبلغ ملياري دولار، ومشروع "سيلك لينك" للاتصالات بقيادة "إس تي سي"، وشراكة لتأسيس "طيران ناس سوريا". وفي قطاع النقل، أُرسي مشروع تطوير محوري دمشق–تدمر وتدمر–دير الزور، بقيمة تقارب 300 مليون دولار، على شركتي "الرواف" السعودية و"الكواتي" السورية، وبدأت الأعمال التحضيرية للمشروع. كما امتد الاهتمام إلى الزراعة والصناعة والبناء عبر زيارات مجموعات سعودية، بينها "المهيدب"، ومشاركة عشرات الشركات السعودية في المعارض المتخصصة بدمشق.
التمويل التنموي يكمل الاستثمار الخاص
تضيف اتفاقيات الصندوق السعودي للتنمية أداة تمويل تستهدف مشاريع يصعب على الاستثمار التجاري وحده تغطيتها. وتشمل 105 ملايين دولار للدفاع المدني، و100 مليون دولار للمستشفيات والمراكز الصحية، و 90 مليون دولار لتأهيل محطة حلب الحرارية، و 60 مليون دولار للمساكن المتضررة، و 30 مليون دولار لخدمات المياه، وأكثر من 18 مليون دولار للتحول الرقمي الحكومي.

وتكمن الميزة الاقتصادية للتمويل التنموي في قدرته على دعم مرافق عامة ذات منافع اجتماعية واسعة وعوائد تجارية مباشرة محدودة. وتتميز القروض الميسّرة عموماً بكلفة أقل وآجال سداد أطول من التمويل التجاري، ما يساعد على تخفيف الضغوط الفورية على الموازنة.
ويسمح الجمع بين التمويل التنموي والاستثمار الخاص بتوجيه رؤوس الأموال التجارية إلى الأنشطة الإنتاجية، وتمويل المرافق التي يحتاجها المجتمع والاقتصاد معاً. ويظهر هذا التكامل في الكهرباء، حيث يستهدف التمويل السعودي تأهيل وحدات التوليد بمحطة حلب، بينما يموّل البنك الدولي إصلاح شبكات النقل ومحطات التحويل، بما يساعد على تحسين إنتاج الطاقة وإيصالها إلى المستهلكين.
تشير الاتفاقيات الجديدة إلى اتساع نطاق التعاون الاقتصادي السعودي-السوري، من المساهمة في استعادة التمويل الدولي وتشجيع استثمارات الشركات، إلى تمويل البنية التحتية والخدمات العامة.