السودان، في اعتقادي، لا تنقصه المؤتمرات، ولا تنقصه الوثائق والبيانات. ما ينقصه قرار سياسي قادر على وقف الحرب أولاً، وبعد ذلك يمكن الحديث عن بقية التفاصيل.
وهنا أتذكر التجربة السورية.
على مدى أكثر من عشر سنوات، أصبح للمعارضة السورية أكثر من عنوان، وأكثر من منصة: منصة القاهرة، ومنصة موسكو، واجتماعات إسطنبول وغيرها، وأسماء وائتلافات ومجالس تتغير باستمرار. كل مجموعة كانت تعتقد أنها الأقرب إلى تمثيل السوريين، بينما الحرب تمضي، والدولة تتآكل، والناس يدفعون الثمن. ولم يكن الخلاف بين النظام والمعارضة وحدهما. المعارضة نفسها لم تتفق على كثير من الأساسيات: الأولويات، والحلفاء، وشكل الدولة المقبلة، ومن هو العدو ومن هو الصديق. كثرت الاجتماعات ولم تقترب سوريا كثيراً من الحل. ما غيّر المشهد في النهاية لم يكن مؤتمراً جديداً. حدث تحول على الأرض، وظهرت قوة استطاعت أن تفرض واقعاً جديداً، وساعدتها ظروف إقليمية ودولية أصبحت مواتية.
عندها تحركت الأحداث بسرعة لم يتوقعها كثيرون. السودان، في رأيي، أكثر تعقيداً في بعض جوانبه. هناك طرفان متحاربان، وقوى سياسية متفرقة، ومصالح اقتصادية، وتركيبة اجتماعية وقبلية قوس قزح، ودول مجاورة تخشى انتقال الفوضى إليها، وفوق ذلك قوى إقليمية ودولية لكل منها حساباتها ومصالحها.
لهذا أعتقد أن الترياق للسم السوداني لن يأتي هذه المرة من الداخل وحده. قد تبدو الفكرة قاسية، فالأصل أن يقرر السودانيون مصيرهم بأنفسهم. لا خلاف على ذلك. لكن ماذا نفعل عندما يعجز الداخل عن اتخاذ القرار، وتصبح البندقية هي الوسيلة الرئيسية للتفاوض، ويعتقد كل طرف أن بضعة أشهر أخرى من القتال قد تمنحه موقعاً أفضل؟
هنا يأتي دور الخارج.
الدول العربية والأفريقية المعنية مباشرة بالسودان، ومعها القوى الدولية المؤثرة، عليها أن تتفق أولاً فيما بينها. ذلك في رأيي، هو البداية. فلا معنى لأن تدعو عاصمة إلى وقف الحرب، بينما يجد هذا الطرف أو ذاك، المالَ أو السلاح أو الغطاء السياسي من عاصمة أخرى. ولا يمكن صناعة السلام إذا كان لكل دولة مشروع سوداني مختلف. الأفضل ألا نذهب إلى مؤتمر جديد يضاف إلى المؤتمرات، ولا إلى صورة جماعية أخرى يتصافح فيها المتخاصمون أمام الكاميرات. المطلوب قرار واضح تتفق عليه الدول المؤثرة: «هذه الحرب يجب أن تتوقف. السودان يجب أن يبقى موحداً. المساعدات تصل إلى الناس. ومؤسسات الدولة لا تهدم، ثم تبدأ عملية سياسية لها زمن معلوم ونهاية معلومة».
ولكن أي اتفاق من هذا النوع يحتاج إلى أسنان.
من يرفض وقف الحرب يجب أن يعرف أن هناك ثمناً. ومن يعرقل وصول الغذاء والدواء إلى الناس يتحمل المسؤولية. ومن يتصور أنه يستطيع حكم السودان كله بقوة السلاح يجب أن يدرك أن الطريق مغلق أمام هذا الخيار. أرى أن مشكلة السودان اليوم أن الجميع تقريباً يتحدث عن الحوار، لكن عدداً قليلاً يريد اتخاذ القرار الصعب. الحروب الأهلية الطويلة لا تنتهي دائماً لأن المتحاربين يستيقظون ذات صباح وقد هبطت عليهم الحكمة. في أحيان كثيرة تنتهي عندما تتغير الظروف حولهم، ويكتشف كل طرف أن كلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من كلفة التسوية. وهذه، في اعتقادي، مهمة الخارج في السودان: ألا يختار للسودانيين حكامهم، ولا يكتب لهم دستورهم، وإنما يغلق أبواب الحرب أمام المتحاربين. بعد ذلك يجلس السودانيون إلى بعضهم، ويتحاورون كما يشاءون حول دولتهم ودستورهم وحكومتهم المطلوبة. أما أن نطلب منهم الاتفاق والبنادق تتكلم، وكل طرف ينتظر تحسناً في موازين القوة، فمعنى ذلك أننا ننتظر مزيداً من الخراب.
السودان يحتاج إلى الحوار بالتأكيد، لكنه يحتاج قبل الحوار إلى من يوقف الحرب.
آخر الكلام: أحياناً لا يأتي الترياق من مكان السم.