فصل مشكلة المصرف عن سلامة القطاع
يحاول البنك المركزي هنا الفصل بوضوح بين وجود مشكلة في مصرف معين وبين سلامة الجهاز المصرفي ككل. فالإصلاح الحقيقي للقطاع قد يقود إلى إعادة هيكلة بعض المصارف أو دمجها أو خروجها من السوق إذا لم تستوف المتطلبات الجديدة، لكن هذه الإجراءات تحمل في الوقت نفسه امكانية انتقال القلق إلى المودعين في مؤسسات أخرى.
ولهذا أصبحت إدارة الثقة جزءاً من عملية الإصلاح نفسها. فالبنك المركزي يؤكد أن جميع المصارف المجازة مشاركة في شركة ضمان الودائع، وأن نسبة الأصول السائلة إلى الالتزامات قصيرة الأجل في الجهاز المصرفي تتجاوز 60 في المئة، في محاولة لتأكيد قدرة القطاع على التعامل مع الضغوط.
الإصلاح يتحول إلى فرز
ينسجم ما يجري حالياً مع طبيعة برنامج الإصلاح الذي يرفع متطلبات الحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر والقدرة على التعامل مع المؤسسات المالية الدولية.
وكان البنك المركزي قد أعلن في يوليو أن سبعة مصارف عراقية أصبحت مؤهلة للعودة إلى قنوات المراسلة الخارجية بعملات غير الدولار بعد استيفائها متطلبات الإصلاح والامتثال، فيما أكد استمرار تقييم بقية المصارف واتخاذ إجراءات بحق المؤسسات التي لا تستوفي المعايير.
وهذا يعكس بداية عملية فرز فعلية داخل القطاع. فهناك مصارف تستجيب للمعايير الجديدة وتستعيد تدريجياً قدرتها على التعامل مع النظام المالي العالمي، في مقابل مؤسسات ستواجه إجراءات تصحيحية أكثر صرامة إذا لم تتمكن من التكيف.
إصلاح من دون أزمة ثقة
لذلك أصبح التحدي أمام البنك المركزي مزدوجاً. فهو مطالب بالمضي في معالجة المصارف الضعيفة وعدم التراجع عن المعايير الجديدة، وفي الوقت نفسه منع هذه الإجراءات من إثارة مخاوف واسعة لدى المودعين.
وهذا مهم بصورة خاصة في العراق، حيث ما زال جزء كبير من النشاط النقدي يجري خارج الجهاز المصرفي، فيما يعتمد توسيع الائتمان والشمول المالي على تعزيز الثقة بالمصارف.
من هنا تبدو تصريحات المحافظ الأخيرة جزءاً من إدارة المرحلة المقبلة أكثر من كونها مجرد طمأنة ظرفية. فالمركزي يقول عملياً إن التدخلات الرقابية ستستمر عندما تستدعي أوضاع المصارف ذلك، مع الفصل بين معالجة أوضاع مؤسسة منفردة وبين سلامة القطاع المصرفي ككل.
ولا شك أن البنك المركزي يقوم بمهمة ضرورية لإعادة بناء القطاع على أسس أكثر صلابة ورفع معايير الحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر. والهدف في نهاية المطاف هو تطوير قدرة المصارف على خدمة الاقتصاد وتمويل النمو، وتعزيز ثقة المودعين، وتهيئة القطاع لمستوى أكبر من الانفتاح والاندماج مع النظام المالي الدولي.