
وهنا تتحدد الفكرة الأهم للزيارة. فبعد استعادة التواصل السياسي والدبلوماسي، دخلت العلاقات اللبنانية-الإماراتية اختباراً عملياً يتعلق بقدرة لبنان على تحويل عودة الاهتمام به إلى استثمارات فعلية، وعلى توفير الشروط المناسبة لأنواع مختلفة من المستثمرين والمشاريع.
من استعادة الثقة إلى اختبار المشاريع والشراكات
أظهرت اللغة التي استخدمها الجانبان أن الهدف لم يكن الاكتفاء بإعادة فتح قنوات التواصل.

رئيس الهيئات الاقتصادية واتحاد الغرف اللبنانية محمد شقير قال أمام الملتقى إن لبنان مقبل على مرحلة واعدة مع إعادة الإعمار وتطوير البنى التحتية والمرافق الاقتصادية والخدماتية، وتحدث عن فرص ومشاريع يمكن تنفيذها عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص والتكامل مع القدرات الإماراتية، واضعاً حضور الوفد في إطار استعادة لبنان تدريجياً ثقة محيطه العربي والدولي.

وكان وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي أكثر مباشرة في تحديد معيار النجاح، عندما ربط قوة العلاقات الاقتصادية بعدد الشراكات التي تبنى والاستثمارات التي تنفذ، ووضع القطاع الخاص في قلب المرحلة التالية من التعاون.
فالزيارة لم تأت لإعلان استثمارات ضخمة خلال يومين، وإنما لإعادة المستثمر الإماراتي إلى لبنان وتمكينه من استكشاف السوق والفرص والشركاء. وشهدت لقاءات ثنائية واسعة، وبحثاً في قطاعات ومشاريع محددة، فيما عقد مجلس الأعمال الإماراتي-اللبناني اجتماعه الأول ليشكل إطاراً لمتابعة ما بدأ في بيروت.

تحويل الاهتمام إلى نتائج
يلخص السؤال الذي طرحه رئيس مجلس الأعمال عن الجانب الإماراتي حمد بوعميم، "ماذا سنفعل من هنا؟"، المرحلة التالية. فقد تحدث عن طموح لأن يكون المجلس "مجلس عمل ونتائج"، يركز على الفرص القابلة للتنفيذ وتحويل الشراكات والمشاريع إلى واقع، معتبراً أن المستثمرين لا يحتاجون إلى انتظار حل جميع المشكلات حتى يبدأوا العمل.
ويتقاطع ذلك مع ما طرحه رئيس مجلس الأعمال من الجانب اللبناني وسيم ضاهر حول بناء شراكات واستثمارات متبادلة وعلاقة اقتصادية طويلة الأجل. ومن هنا تصبح مهمة المجلس بعد انتهاء الزيارة فرز الفرص ومتابعة الشركات وربط المشاريع بالمستثمرين الأكثر ملاءمة.

فالمعيار لم يعد حجم الوفد أو عدد الاجتماعات، وإنما قدرة الاهتمام الذي ولدته الزيارة على التحول إلى قرارات استثمارية.
مساران للاستثمار
الاستثمارات المحتملة ليست من نوع واحد. فهناك أولاً استثمارات يقودها القطاع الخاص مباشرة في الصناعة والزراعة والسياحة والصحة والتكنولوجيا والخدمات. ويعتمد القرار في هذه المجالات بدرجة كبيرة على الجدوى الاقتصادية وحجم السوق وكلفة الإنتاج والضرائب والتمويل والتراخيص وسهولة ممارسة الأعمال وحماية حقوق المستثمر.
وقد تكون هذه القطاعات الأسرع في الاستفادة من الانفتاح الحالي، لأن الشركات لا تحتاج فيها عادة إلى ترتيبات سيادية معقدة بقدر حاجتها إلى بيئة أعمال مستقرة وقواعد واضحة وشركاء محليين جيدين.
وتحدث وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كمال شحادة عن الجمع بين القدرات الإماراتية والكفاءات اللبنانية لبناء شركات ومنتجات قادرة على المنافسة عالمياً. كما ركز وزير الصناعة جو عيسى الخوري على التكنولوجيا الصناعية والصناعات الدوائية وغيرها، وعلى الاستثمار والشراكة بدلاً من الاعتماد على الدعم والمنح.
أما المسار الثاني فيشمل المطارات والموانئ والطاقة والمرافق والبنية التحتية التي تبقى الدولة لاعباً أساسياً فيها. وهنا تكبر أحجام الاستثمار وتطول مدة المشاريع وتزداد أهمية العلاقة مع الدولة. فمشروع كهرباء أو مرفأ أو مطار يحتاج إلى امتياز أو شراكة طويلة الأجل، وإطار واضح للإيرادات والتسعير، وتوزيع للمخاطر، وضمانات قانونية وتعاقدية، وقد يحتاج إلى ترتيبات تمويل أو ضمانات سيادية.
ويصبح القرار في هذه المشاريع اقتصادياً وسياسياً في الوقت نفسه، لأن المستثمر يقيّم إلى جانب العائد قدرة الدولة على احترام العقود واستقرار القواعد التنظيمية واستمرار السياسات وقدرة المؤسسات على اتخاذ القرار والتنفيذ.
ولهذا اكتسب كلام رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام الوفد دلالة خاصة عندما ربط الأمن بالاستثمار ودعا المستثمرين الإماراتيين إلى دخول لبنان. فالاستثمارات الكبرى والطويلة الأجل تحتاج إلى مستوى أعلى من الاستقرار السياسي والمؤسسي.
رأس المال الاستراتيجي
يفتح هذا المسار أيضاً الباب أمام منظومة الاستثمار الإماراتية الأوسع. فالوفد مثل قاعدة كبيرة من مجتمع الأعمال، لكن الإمارات، وخصوصاً أبوظبي ودبي، تملك صناديق سيادية وشركات ومجموعات ضخمة أصبحت من اللاعبين الكبار في الاستثمار العالمي.
وتضم هذه المنظومة مؤسسات مثل "مبادلة"، إلى جانب مجموعات وشركات كبرى مثل "IHC" و"مصدر" و"موانئ دبي العالمية" و"موانئ أبوظبي" و"G42"، بما تملكه من قدرات مالية وتشغيلية وفنية وشبكات دولية.
الوصول إلى هذا المستوى من المستثمرين، خصوصاً في الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والصحة والأمن الغذائي والبنية التحتية، يحتاج إلى تحضير مختلف. فالمؤسسة الاستثمارية الكبرى لا تستثمر في حاجة عامة. الحاجة إلى الكهرباء أو تطوير مرفأ أو مطار يجب أن تتحول إلى مشروع له دراسة جدوى ونموذج إيرادات وهيكل قانوني وتوزيع واضح للمخاطر وجهة رسمية صاحبة قرار.
ومن هنا تضع الزيارة لبنان أمام مستويين مترابطين من الجهوزية. الأول يتعلق بتحسين بيئة الأعمال لاستقطاب الشركات الخاصة، والثاني بقدرة الدولة على إعداد وإدارة المشاريع الكبرى وبناء أطر شراكة طويلة الأجل مع المستثمرين الاستراتيجيين.
اللبنانيون في الإمارات يوسّعون قاعدة العلاقة الاقتصادية
ويضاف إلى ذلك الحضور الاقتصادي اللبناني الكبير في الإمارات. فاللبنانيون هناك ليسوا جالية تحويلات فقط، إنما بينهم مستثمرون ورجال أعمال ومديرون ورواد أعمال وكفاءات أصبحوا جزءاً من الاقتصاد الإماراتي وشبكات أعماله الإقليمية والعالمية.
وقد أشار الزيودي أمام الرئيس عون إلى مساهمة اللبنانيين في مسيرة التنمية الإماراتية. ويمكن لهذه القاعدة أن تساعد في تعريف المستثمر الإماراتي بفرص لبنان وشركائه، وفي المقابل مساعدة الشركات اللبنانية على استخدام الإمارات قاعدة للتوسع والوصول إلى رأس المال والأسواق الخارجية.
الاختبار يبدأ بعد الزيارة
أعادت الزيارة المستثمر الإماراتي إلى بيروت، وفتحت قنوات واسعة بين القطاعين الخاصين، وأنشأت إطار متابعة من خلال مجلس الأعمال، ودفعت النقاش باتجاه الفرص والمشاريع.
أما الأثر الاستثماري فسيظهر في ما يأتي بعد ذلك. وقد تبدأ النتائج الأسرع بدخول شركات إماراتية في الصناعة والسياحة والصحة والتكنولوجيا والزراعة والخدمات، فيما يبقى الاختبار الأصعب قدرة لبنان على إعداد مشاريع بنية تحتية وطاقة ونقل قادرة على جذب المؤسسات الاستثمارية الكبرى.
فتحت الإمارات الباب قبل أن يحل لبنان جميع مشكلاته. والاستفادة من هذه المبادرة المبكرة ترتبط الآن بقدرة لبنان على توفير بيئة يعمل فيها الاستثمار الخاص بكفاءة، وفي الوقت نفسه بناء دولة قادرة على إعداد المشاريع الكبرى والدخول في شراكات موثوقة وطويلة الأجل مع المستثمر الاستراتيجي.