كيف يمول الخير نفسه؟
يقوم العمل الخيري عادة على معادلة واضحة. هناك حاجة اجتماعية، وهناك من يتبرع بالمال للاستجابة إليها. وهي معادلة أساسية، لكنها تبقى مرتبطة باستمرار تدفق التبرعات.
المسار الذي يعمل عليه الصواف يقوم على أن تبني المؤسسة، إلى جانب رسالتها الاجتماعية، نشاطاً اقتصادياً يولد جزءاً من الموارد التي تحتاج إليها للاستمرار والتوسع.
وهذا ما يميز "طبخة عزّو". فالطعام الذي يقدمه للمحتاجين هو نفسه المنتج الذي يبيعه في السوق. يشتري الزبون وجبته، وتساهم الإيرادات الناتجة عنها في تمويل وجبات أخرى. ومع نمو المشروع وتحسن كفاءته واتساع قاعدة زبائنه، تتسع أيضاً قدرته على خدمة المجتمع.
بهذه المعادلة، يصبح الربح جزءاً من آلية الاستمرار والنمو. فهو يمول التجهيز والتوظيف وفتح فروع جديدة، فيما يخصص جزء من العائد لدعم العمل الخيري. وكل فرع ناجح يوسع النشاط التجاري كما يوسع القدرة على الوصول إلى عدد أكبر من المحتاجين.

المستثمر شريك في التوسع والاستمرار
يستطيع رجل الأعمال في النموذج التقليدي أن يمول مئة أو ألف أو عشرة آلاف وجبة، ويكون الأثر مباشراً ومهماً. أما إذا استخدم رأس المال في تمويل مطبخ جديد أو فرع أو شبكة توزيع، فإن المال نفسه يستطيع أن يولد دخلاً متكرراً يعاد توظيف جزء منه في المهمة الاجتماعية.
لهذا يسعى الصواف إلى جذب نوع مختلف من التمويل إلى "طبخة عزّو". رأس مال يبحث عن عائد، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يكون لهذا العائد أثر ملموس في المجتمع.
ولا تقوم الفكرة على مطالبة المستثمر بالتنازل عن المنطق الاقتصادي. فالمشروع يحتاج إلى منتج جيد وإدارة فعالة وضبط للتكاليف وهامش يسمح له بالنمو. وما يميزه أن جزءاً من العائد يبقى مرتبطاً بالغاية الاجتماعية للمؤسسة.
وهكذا ينتقل النقاش من تمويل وجبات محددة إلى الاستثمار في المؤسسة التي تستطيع أن تنتج هذا الأثر بصورة مستمرة. فتمويل مطبخ جديد أو فرع لا يغطي حاجة لمرة واحدة، وإنما يساعد على بناء نشاط يولد دخلاً ويمول جزءاً من مهمته الاجتماعية بنفسه.
من مبادرة إلى مؤسسة
تأتي أهمية المرحلة الجديدة من أن "طبخة عزّو" مشروع قائم أثبت قدرته على العمل والاستمرار. لديه فروع وزبائن وتجربة تشغيلية وأثر اجتماعي تحقق فعلاً، والمطلوب الآن البناء على هذه القاعدة ونقل المشروع إلى مستوى أكبر.
وهذا يتطلب نموذجاً يمكن توسيعه وتكراره بكفاءة من خلال إدارة واضحة وأنظمة تشغيل ومشتريات ووسائل قياس تتابع الأداء الاقتصادي والأثر الاجتماعي معاً.
عندها يصبح من الممكن قياس المبيعات والربحية وتكلفة التوسع إلى جانب عدد الوجبات التي يمولها النشاط وعدد المستفيدين. ويصبح الأثر الاجتماعي جزءاً مباشراً من نتائج المؤسسة نفسها، لا نشاطاً منفصلاً عنها.

سوريا أول اختبار خارج لبنان
علاقة الصواف بسوريا أعمق من العمل الخيري الذي قام به خلال سنوات الحرب. فجذور عائلته سورية، إذ قدم والده من سوريا إلى لبنان في ثلاثينات القرن الماضي، ولا تزال للعائلة روابط قوية هناك.
ثم اكتسبت هذه العلاقة بعداً آخر خلال الحرب وأزمة النزوح. ففي لبنان، انخرط الصواف في مبادرات تعليمية استهدفت أطفال اللاجئين السوريين، وأنشأ مدارس لتوفير التعليم لهم في مرحلة كانت فيها الحاجة تتجاوز بكثير قدرة المؤسسات القائمة.
واليوم أخذت هذه الصلة شكلاً جديداً من خلال "طبخة عزّو". فقد بدأ المشروع بالفعل اختبار نموذجه في سوريا عبر فرع في اللاذقية يقدم أكثر من 200 وجبة يومياً للمحتاجين.
وبذلك أصبحت سوريا أول تجربة فعلية لنقل المشروع خارج لبنان. وتكتسب هذه الخطوة أهمية تتجاوز عدد الوجبات التي يقدمها الفرع، لأنها تختبر قدرة "طبخة عزّو" على العمل في بيئة مختلفة والتحول من تجربة لبنانية ناجحة إلى نموذج يمكن تطبيقه في أسواق أخرى.
الصواف يبحث دائماً عن الديمومة
هذا الحرص على تحويل المبادرة إلى مؤسسة يظهر أيضاً في جانب يبدو بعيداً عن الطعام والعمل الخيري وهو الكاريكاتور.
الصواف نفسه رسام، وعلاقته بهذا الفن قديمة. لكنه لم يكتف بممارسته. ففي عام 2014 أطلق "جائزة محمود كحيل" في الجامعة الأميركية في بيروت تكريماً لأحد أبرز رسامي الكاريكاتور العرب، بهدف دعم الكاريكاتور والشرائط المصورة والرسم التعبيري واكتشاف المواهب في المنطقة. وتحولت الجائزة إلى موعد عربي سنوي يجمع أعمال الفنانين ويقدمها إلى جمهور أوسع.
ثم أخذت المبادرة بعداً مؤسسياً أكبر. ففي عام 2022 أعلنت الجامعة الأميركية إنشاء "مركز رادا ومعتز الصواف لدراسات القصص المصورة العربية" بمهمة تشمل البحث والتعليم وحفظ التراث ودعم هذا الفن. ولضمان استمراره، أنشأ معتز ورادا الصواف وقفاً غير قابل للإلغاء بقيمة 5 ملايين دولار يوفر له دعماً مالياً دائماً.
المسار هنا لافت. بدأ الاهتمام بفن كان يفتقر إلى إطار عربي مؤسسي يجمع إنتاجه ويدعم مواهبه، ثم جاءت الجائزة وبعدها المركز والتمويل الذي يضمن استمراره.
والمقاربة نفسها تظهر اليوم في "طبخة عزّو"، لكن بأداة مختلفة. ففي مركز الكاريكاتور وفر الوقف مورداً مالياً يضمن استمراره، بينما يسعى الصواف في "طبخة عزّو" إلى بناء مورد مستدام من داخل المشروع نفسه، عبر نشاط تجاري مربح يخصص جزءاً من عائداته لتمويل رسالته الاجتماعية.

من المدرسة إلى المركز إلى المطبخ
لهذا تبدو المشاريع المختلفة في مسيرة الصواف أقل تباعداً مما توحي به للوهلة الأولى.
حين واجه أطفال سوريون خطر فقدان التعليم، كان الرد إنشاء مدارس. وحين رأى أن الكاريكاتور يحتاج إلى من يجمع تراثه ويدعم مواهبه، تحولت المبادرة إلى جائزة ثم إلى مركز جامعي ذي تمويل طويل الأجل. واليوم يحاول في "طبخة عزّو" الانتقال مرة أخرى من تقديم الخدمة إلى بناء المؤسسة التي تستطيع توسيعها.
تحمل هذه المقاربة أثر خلفيته كرجل أعمال إلى جانب حسه الاجتماعي. فالمشروع الذي يريد أن يكبر يحتاج إلى موارد وإدارة ونظام يستطيع حمله، وما يحاول الصواف فعله هو نقل هذا المنطق إلى مشروع اجتماعي مع الحفاظ على الغاية التي أنشئ من أجلها.
الاستدامة تبدأ من السوق
تضع هذه النقلة "طبخة عزّو" أمام معيار أكثر صرامة. فلكي يستطيع جذب المستثمرين، عليه أن ينجح كمؤسسة تجارية أيضاً. جودة الطعام والسعر والكفاءة التشغيلية وإدارة الفروع وسلسلة التوريد كلها تدخل مباشرة في قدرته على تحقيق رسالته.
وهنا تكمن قوة النموذج وصعوبته. فالأثر الاجتماعي يرتبط بالأداء الاقتصادي نفسه، وتحسن المبيعات والكفاءة والربحية يعزز قدرة المشروع على تمويل مهمته الاجتماعية.
ولهذا يمكن أن يتجاوز معنى "طبخة عزّو" قطاع الطعام، لأن الفكرة قابلة من حيث المبدأ للتطبيق في قطاعات أخرى تلتقي فيها حاجة اجتماعية مع إمكانية بناء نشاط اقتصادي يولد جزءاً من الموارد اللازمة لمعالجتها.

رأسمال له غاية
تمتلك المنطقة الكثير من العمل الخيري والكثير من رأس المال، لكن العلاقة بين الاثنين ما زالت تقوم غالباً على فصل واضح. رجل الأعمال يستثمر في مكان ويتبرع في مكان آخر.
يسعى الصواف إلى تقريب المسافتين عبر نموذج يتيح للمستثمر تحقيق عائد مالي والمساهمة في بناء أثر اجتماعي يتوسع مع توسع المؤسسة.
وإذا نجح "طبخة عزّو" في التوسع داخل لبنان وخارجه وجذب مستثمرين إلى هذا النموذج، فسيقدم مثالاً عملياً لرأس مال هادف اجتماعياً يجمع بين الجدوى الاقتصادية والغاية الخيرية.
بعد سنوات من تمويل المشروع ودفعه إلى الأمام، يسعى الصواف الآن إلى نقله إلى مرحلة يستطيع فيها النمو بجذب رأس مال جديد وتوسيع أثره من خلال نجاحه الاقتصادي نفسه.
ويتقاطع هذا الطموح مع الكثير مما فعله الصواف من قبل. فهو لا يكتفي بإطلاق المبادرة، إنما يسعى إلى بناء المؤسسة التي تمنحها القدرة على الاستمرار والنمو والذهاب أبعد من حدودها الأولى.