الإقتصاد والأعمال - AL-IKTISSAD WAL-AAMAL

نبيل فهمي: الجامعة ليست فوق الحكومات ودورها تعظيم الإرادة العربية

نبيل فهمي: الجامعة ليست فوق الحكومات ودورها تعظيم الإرادة العربية

تحدّث أمين عام جامعة الدول العربية عن الأوضاع السائدة في البلاد العربية من خلافات وتهديدات، ودور الجامعة في التعاطي مع هذه المُعطيات وثم رأيه في ما يجري في بعض البلدان العربية كالسودان ولبنان وسوريا

قال أمين عام جامعة الدول العربية نبيل فهمي "أن الجامعة ليست حكومة فوق الحكومات، بل هي الاطار الجامع ومسؤوليتها تعظيم أثر الإرادة العربية عندما تتوافر".

جاء ذلك خلال حوار أجرته الزميلة "المصري اليوم" مع الأمين العام الجديد وهو أول حوار له منذ توليه المسؤولية".

وتحدّث فهمي عن الأوضاع السائدة في البلاد العربية من خلافات وتهديدات، ودور الجامعة في التعاطي مع هذه المُعطيات وثم رأيه في ما يجري في بعض البلدان العربية كالسودان ولبنان وسوريا.

وتعميماً للفائدة نعرض في ما يلي أهمّ الأفكار والمواقف الصادرة عن الأمين العام:

الأوضاع العربية

فيما يتعلّق بالبلدان العربية وما تشهده من تطوّرات قال:

-  نحن نعيش حالة من الاضطراب الدولي، وإعادة تشكيل للشرق الأوسط وللنظام الدولي في آن واحد، وأعتقد أننا بالفعل أمام لحظة فاصلة في تاريخ المنطقة. فهناك نزاعات تمتد من المغرب العربي إلى المشرق، وجنوباً إلى الخليج العربي؛ بعضها بين دول عربية، وبعضها داخلي، وبعضها الآخر يجمع بين الأبعاد الداخلية والخارجية. وفى الوقت نفسه، نرى محاولات واضحة من قوى غير عربية لتوسيع نفوذها وحضورها على حساب المصالح العربية، إلى جانب مخاطر متزايدة تحيط بالممرات المائية والتجارية والمواقع الاستراتيجية، ومساعٍ لإعادة رسم طرق الاتصال والنفوذ براً وبحراً، فضلاً عن محاولات لتغليب مفهوم الهوية الشرق أوسطية على الهوية العربية.

ولا أعتقد أن لدينا ترف الوقوف متفرجين أمام ما يجرى حولنا. نحن أمام تحولات حقيقية في موازين القوى، وفى شكل النظام الإقليمي، بل وفى طبيعة التهديدات نفسها. ومنذ توليت المسؤولية، أعمل في مسارين متوازيين: الأول هو توسيع دوائر التنسيق والتشاور العربي- العربي، فهذا التنسيق مفيد للجميع، بل أصبح ضرورة؛ والثاني هو العمل على تجديد الجامعة وتطوير أدائها وأدواتها. لأننا إذا لم نشارك نحن فى صياغة مستقبل منطقتنا، فسيصوغه الآخرون وفق مصالحهم، وليس بالضرورة وفق مصالحنا.

الجامعة العربية

وعن دور الجامعة قال: " جامعة الدول العربية ليست حكومة فوق الحكومات، وليست بديلاً عن الإرادة السيادية للدول الأعضاء، لكنها في الوقت نفسه ليست مجرد مقر للاجتماعات أو آلية لتسجيل المواقف. هي الإطار العربي الجامع. ومن ثم فإن مسؤولية الأمانة العامة، في تقديري، هي أن تعظم أثر الإرادة العربية عندما تتوافر، وأن تجعلها أكثر وضوحاً وتنظيماً وتأثيراً، وأن تساعد على توسيع مساحات التوافق عندما تختلف التقديرات والمواقف. وفى الوقت نفسه، علينا أن نعمل على تجاوز الخلافات العربية قدر الإمكان، وتعزيز قدرة الدول العربية على التعامل مع التحديات المشتركة.

ولهذا قلت منذ البداية إن «خير الدبلوماسية ما سبق الأزمة». المطلوب ألا ننتظر حتى تقع الأزمات وتضيق الخيارات، وإنما أن نقرأ التطورات مبكراً، ونطرح البدائل، ونجرى المشاورات، ونستخدم الدبلوماسية بصورة هادفة وفاعلة. وعلينا كذلك أن ننتقل من ثقافة إصدار القرارات إلى ثقافة المتابعة والتنفيذ، لأن قيمة أي قرار لا تتوقف عند لحظة اعتماده، وإنما تبدأ بما يحدث بعد ذلك.

التشكيل في قدرة الجامعة

وعن ما يثار من تشكيل حول قدرة الجامعة قال:

 - أتفهم قدراً من الإحباط لدى المواطن العربي الذى لا يقيس المؤسسات بعدد اجتماعاتها أو القرارات التي تصدرها، وإنما بما يراه من نتائج. وعندما تستمر أزمات لسنوات أو تصدر قرارات ولا تجد طريقها إلى التنفيذ، لكن علينا دائماً أن ننظر للإطار العام الذى يحكم الأمور، النظام الدولي بأكمله مضطرب، لهذا هناك قدر من التآكل في مصداقية أهم أدواته وهى منظمة الأمم المتحدة، بل والكثير من المنظمات متعددة الأطراف، والمنطقة العربية واجهت العديد من المشاكل خلال العقود الماضية وظل العديد منها بدون حل أو حتى تقدم، لذا علينا أن نميز بين الحاجة إلى الجامعة وبين قدرتها في لحظة معينة على تحقيق كل ما نريده منها. الجامعة ليست دولة فوق الدول ولا تمتلك سلطة تنفيذية مستقلة تفرض بها قراراتها، وإنما هي إطار للعمل الجماعي. ومع ذلك، لا أريد أن نستخدم عبارة «إرادة الدول الأعضاء» كعذر يبرر عدم الحركة. إرادة الدول تحدد سقف القرار، لكنها لا تعفى الأمانة العامة من مسؤولية المبادرة وبناء التوافق وطرح البدائل. وهناك سؤال بسيط: إذا ألغينا الجامعة، هل تختفى الخلافات العربية؟ بالطبع لا. سنظل نختلف في المصالح والتقديرات، لكننا سنفقد الإطار الذى يجمع الجميع حول طاولة واحدة. وفى عالم تتكاثر فيه التكتلات، أرى أن الحاجة إلى إطار عربي جامع أصبحت أكبر، لا أقل.

أما ثقة الرأي العام فلا تُكتسب بخطاب دفاعي عن المؤسسة. الثقة تُكتسب عندما يرى الناس حركة ونتيجة، وعندما نكون صريحين بشأن ما تحقق وما لم يتحقق ولماذا. وسأكون أميناً وصريحاً على الدوام في ذلك.

موقف الدول العربية

 أثق بذلك، فكلما استعدنا المصداقية المتبادلة، تجددت الثقة والحماس للعمل العربي المشترك. وأرى أن العمل العربي المشترك قائم بالفعل، لكنه يحتاج إلى إعادة تكييف. لذا، فإن هدفي عند طرح أي مقترحات هو احترام رغبات الدول العربية والمدى الذى قد تذهب إليه إذا ما كانت طموحاتها تتجاوز حدود مطامحي الشخصية. وعملياً، أرى أن العالم العربي بأسره يستفيد من أي إنجاز جماعي، كما يتضرر من أي ضعف أو تهديد يمسّ أي كيان عربي؛ وحينما يصبح للصوت العربي صدى سيأسى واقتصادي واجتماعي فاعل حتى في إعادة تشكيل النظام الدولي، فإن ذلك ينعكس على مصلحة الجميع.

التفاؤل بالقدرة

وهل أنت متفائل؟ قال:

-  في الحقيقة أرى أن هناك فرصاً للبناء إذا أقمنا أو إذا شرعنا في البناء كدول مستقلة وكمجموعات إقليمية ثم كمجموعة عربية، ولكن لو لم نفعل فستكون المخاطر كبيرة. ومن السابق لأوانه الحديث عن تفاؤل أو تشاؤم؛ فأنا أؤمن بضرورة الحركة، وبأنه لا أحد يمتلك الحل المثالي، وأن توسيع المشاركة يعزز الفكر. وقبل ذلك، أؤمن بأهمية المبادرة والفعل؛ فلو رُفضت كل اقتراحاتي واستُبدلت بغيرها فسأرحب بذلك، فالعبرة ليست بقبول الاقتراح أو رفضه، بل بخلق حالة من الحوار والحراك.

التناقضات

وماذا عن التناقضات ؟ قال:

- التناقضات موجودة في العالم بأسره بين أقطاب عديدة، لا في عالمنا العربي فحسب؛ فانظر - على سبيل المثال- إلى العلاقات بين إدارة ترامب وأوروبا، إذ تبرز اليوم تناقضات عديدة لم تكن موجودة قبل عشر سنوات. إذن، نعم هناك تناقضات عربية، لكن الأهم ألا تكون ذات طابع استراتيجي؛ فهنا يكمن الخطر، أما الاختلافات التكتيكية فهي واردة.

ولكن أعتقد أن هناك توافقاً عربياً على ضرورة احترام سيادة الدولة الوطنية، وأمنها، وهويتها، بوصفها هدفاً استراتيجياً مشتركاً. كما أن الدول العربية على قناعة بأن توسيع ساحة الحوار والتعاون العربي يعزز موقفها في المنافسة مع القوى الدولية، وأن اللجوء إلى الدبلوماسية يظل خياراً مقدماً على العمل العسكري كخطوة أولى في أغلب الأحيان.

وإذا نظرنا إلى المعيار الرئيسي في تلك الخلافات، وهو الحل السلمى للنزاعات وفقاً للقانون، سنجد أنها قواعد استراتيجية لا خلاف عليها. ويمكن أن أضيف إليها مشتركات أخرى كالأمن الغذائي والمائي؛ وهى قضايا ستظل حاضرة في المنطقة، وقد نختلف على ترتيب أولوياتها أو حول بعض القضايا السياسية، لكن ما دامت الأهداف الاستراتيجية محددة ومستقرة، يمكننا التعامل مع الجوانب التكتيكية. وحتى لو وُجد تنافس عربي حول تحقيق المكاسب، فلا مشكلة في ذلك طالما أن الهدف الاستراتيجي صالح.

السياسة والاقتصاد

هل يسبق الاقتصاد السياسة في ولايتك في ظل التعقيدات المحيطة؟ قال:

- ليس لدى رفاهية وضع الاقتصاد قبل السياسة ولا السياسة قبل الاقتصاد؛ لأن هذا الفصل لم يعد واقعياً. السياسة تحتاج إلى قاعدة اقتصادية تمنحها القدرة والاستقلال، والاقتصاد يحتاج إلى بيئة مستقرة حتى ينمو. وقد قلت منذ البداية إن الأمن الاقتصادي أصبح جزءاً من الأمن القومي؛ فالغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمار لم تعد ملفات تنموية منفصلة عن الأمن والاستقرار.

وفى العالم العربي لدينا إمكانات بشرية ومالية وطاقة وأسواق وموقع جغرافي استثنائي، لكن الاستفادة المتبادلة من هذه الإمكانات لا تزال أقل مما ينبغي. لذلك أرى أن التكامل الاقتصادي ليس بديلاً عن السياسة، بل وسيلة لبناء مصالح عربية مشتركة أكثر رسوخاً. وكلما تشابكت الاستثمارات والأسواق وسلاسل الإنتاج، أصبحت قاعدة العمل المشترك أقوى.

وأنا مهتم بالانتقال من العناوين الكبرى إلى المصالح القابلة للقياس: زيادة التجارة والاستثمار، وربط رأس المال العربي بالفرص العربية، وتعزيز أمن الغذاء والطاقة والمياه.

فلسطين

وعن القضية الفلسطينية منذ اتفاقية أوسلو قال:

- الدرس الأوسع من أوسلو ليس في مضمونه إنما يجب الاحتياط دائماً من أن يصبح الترتيب المؤقت أمراً دائماً، وأن إدارة الصراع لا يجوز أن تتحول إلى بديل عن حله. أي مرحلة انتقالية تحتاج إلى وجهة نهائية واضحة، وإطار زمنى، وضمانات للتنفيذ؛ وإلا فإن الوقائع على الأرض قد تتغير إلى درجة تجعل التسوية نفسها أكثر صعوبة.

أما حل الدولتين فقد أصبح بلا شك أكثر صعوبة بسبب الاستيطان ومصادرة الأراضي ومحاولات الضم، لكن صعوبة الحل لا تجعل البدائل أكثر عدالة أو واقعية. الموقف العربي مازال واضحاً: إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. المشكلة ليست أننا لا نعرف شكل الحل، بل في غياب الإرادة السياسية من الجانب الآخر لتنفيذه، فدولة إسرائيل تواصل احتلالها بما يعنى استمرار الصراع.

ومبادرة السلام العربية ليست من الماضي، ولا ينبغي اختزالها في التطبيع. منذ 2002 طرحت معادلة متكاملة: إنهاء الاحتلال، وقيام الدولة الفلسطينية، وحل عادل لقضية اللاجئين، وفى المقابل علاقات طبيعية في إطار سلام شامل.

إلى جانب القضية الفلسطينية، تستمر أزمات وصراعات خطيرة فى عدد من الدول العربية؛ فالحرب في السودان تهدد حياة الملايين ووحدة الدولة، وليبيا لا تزال تبحث عن تسوية سياسية تنهى الانقسام، فيما يواجه لبنان تحديات تتعلق بسيادته واستقراره، إلى جانب استمرار تعقيدات الأوضاع في اليمن وسوريا. ماذا تستطيع الجامعة أن تفعل في هذه الأزمات؟ وهل لديك تصور لجعلها أكثر حضوراً وتأثيراً؟

السودان، لبنان، سوريا

وعن رأيه في ما يجري في السودان ولبنان وسوريا قال:

في السودان، الأولوية هي وقف إطلاق النار والاستجابة للكارثة الإنسانية والحفاظ على وحدة الدولة وتهيئة الظروف لعملية سياسية بملكية وقيادة سودانية، مع تنسيق الجهود العربية والأفريقية والدولية، مع الحفاظ على وحدة السودان ودولتها الوطنية بمؤسساتها. وفى ليبيا، ينبغي أن يكون للدور العربي حضور فاعل في إطار تكاملي مع الأمم المتحدة، من خلال تيسير الحوار الليبي- الليبي ودعم توحيد المؤسسات والمصالحة والانتخابات، إلى جانب دعم اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 وتثبيت الاستقرار.

وفى لبنان، غنى عن القول إننا ندعم الدولة ومؤسساتها وبسط سلطتها على كامل أراضيها، ونتمسك بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب والالتزام بالقرار 1701. وفى سوريا، الأولوية هي وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها ودعم التعافي وإعادة البناء. أما اليمن فلا بديل عن تسوية سياسية شاملة تحافظ على وحدته ومؤسساته، وألا يتحول إلى امتداد لصراعات إقليمية أو إلى مصدر دائم لتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

مشاركة المقال