الإقتصاد والأعمال - AL-IKTISSAD WAL-AAMAL

هاني ينقل التعاون الزراعي مع الإمارات من الاجتماعات إلى الحقول والأسواق

هاني ينقل التعاون الزراعي مع الإمارات من الاجتماعات إلى الحقول والأسواق

وزير الزراعة د. نزار هاني يجول في المناطق اللبنانية بعد إنتهاء أعمال الملتقى اللبناني–الإماراتي

تقدم جولة وزير الزراعة الدكتور نزار هاني في الشوف مع الرئيس التنفيذي لمجموعة "إيليت أغرو هولدينغ" الإماراتية حسن حلاوي نموذجاً لطريقة عمل بدأت تتضح أكثر في أداء وزارة الزراعة خلال الأشهر الماضية. فبدلاً من الفصل بين العلاقات الخارجية والسياسات الزراعية والمشكلات اليومية للمزارعين، يحاول هاني جمع هذه المسارات في حركة واحدة تبدأ من الحقل وتنتهي بالسوق.

 

وجاءت الجولة امتداداً للملتقى اللبناني–الإماراتي ومحاولة لتحويل ما طُرح خلاله من فرص تعاون إلى علاقات مباشرة بين المستثمر والمزارع والتعاونية والسوق. وبهذا المعنى، لم تكن زيارة الوفد الإماراتي إلى الشوف جولة استطلاعية تقليدية، وإنما محاولة للإجابة عملياً عن سؤال أساسي تواجهه الزراعة اللبنانية: كيف تتحول القدرة على الإنتاج إلى نشاط أكثر ربحية وانتظاماً وقابلية للتوسع والتصدير؟

بدأت الجولة من بريح، حيث عاين هاني وحلاوي نموذجاً متقدماً لزراعة التفاح يعتمد أصنافاً حديثة والزراعة المكثفة والإدارة العلمية للبساتين. وأظهرت المعطيات التي عرضت خلال الزيارة الفارق الكبير الذي يمكن أن تحدثه التقنيات الحديثة في إنتاجية الأرض، ما يضع الكفاءة والإنتاجية في قلب النقاش الزراعي، إلى جانب الأسعار وكلفة المدخلات.

فتحسين دخل المزارع لا يرتبط بسعر البيع وحده، وإنما أيضاً بحجم ما تنتجه الأرض، وجودة المحصول، وكفاءة استخدام المياه والأسمدة والطاقة والعمل. ولهذا ركز هاني على التدريب والإرشاد ونقل التكنولوجيا باعتبارها أدوات اقتصادية قادرة على رفع مردود المزرعة وتحسين قدرتها على المنافسة.

لكن الجولة انتقلت بعد ذلك إلى الحلقة الأصعب في الزراعة اللبنانية، وهي السوق.

 

ففي "سوق الجبل"، عقدت طاولة عمل حول الزراعة التعاقدية وربط المزارعين والتعاونيات بالمشترين، انطلاقاً من مبدأ أن يعرف المزارع قبل الزراعة ما الذي يحتاجه السوق، وبأي كمية ومواصفات ونوعية، بدلاً من أن ينتج أولاً ثم يبدأ البحث عن مشترٍ.

وهنا تظهر أهمية مشاركة شركة إماراتية في الجولة. فالأسواق الإماراتية والخليجية لا تفتح أمام المنتج اللبناني بمجرد توافر إنتاج جيد، وإنما تتطلب معرفة دقيقة بالمواصفات والكميات، وانتظام التوريد، والتوضيب والتبريد والنقل وشروط الجودة. وإشراك شركة تعرف هذه الأسواق يمكن أن يساعد المزارعين والتعاونيات على الانتقال من الإنتاج وفق الإمكانات المتاحة إلى الإنتاج وفق الطلب الفعلي.

من الحركة الميدانية إلى أسلوب إدارة

الأهم أن جولة الشوف لا تبدو حالة منفصلة في حركة هاني، وإنما امتداداً لأسلوب إداري بات يتكرر في مناطق وملفات مختلفة.

القيمة هنا لا تأتي من كثافة الزيارات بحد ذاتها. فالزيارة الميدانية يمكن أن تبقى نشاطاً بروتوكولياً إذا انتهت عند الاستماع إلى الشكاوى وإطلاق المواقف. ما يميز المقاربة التي يحاول هاني اعتمادها هو استخدام الحركة الميدانية كأداة عمل: تحديد مشكلة محددة في مكانها، جمع الأطراف القادرين على المساهمة في حلها، ثم محاولة تحويل الحل إلى مشروع أو عقد أو نموذج يمكن تكراره في مناطق أخرى.

في بعض الحالات يكون الطرف المطلوب بلدية عند معالجة طريق زراعي أو بنية تحتية. وفي حالات أخرى يكون شركة خاصة عند البحث عن سوق أو مستثمر، أو مؤسسة بحثية عند إدخال صنف جديد، أو جمعية عند توفير معدات الري والطاقة، أو جهة خارجية عند فتح أسواق تصديرية جديدة.

وهنا، يصبح دور الوزارة أوسع من تقديم الدعم المباشر للمزارع. فهي تحاول أن تتحول إلى حلقة وصل تجمع المزارع والتعاونية والبلدية والجامعة والقطاع الخاص والممول والمشتري حول مشكلة واحدة ومسار عمل محدد.

الزراعة التعاقدية كنموذج قابل للتوسع

ظهر هذا التوجه بوضوح في البقاع، حيث عملت الوزارة على توسيع مفهوم الزراعة التعاقدية وربط الإنتاج بالصناعة والأسواق. ثم ظهر مجدداً في عكار خلال موسم البطاطا، حيث انتقلت الفكرة في بعض الحالات من النقاش إلى توقيع عقود مع المنتجين.

أهمية هذا المسار أنه يعالج واحدة من أضعف حلقات الزراعة اللبنانية، وهي انفصال قرار الإنتاج في كثير من الأحيان عن الطلب الحقيقي في السوق.

فعندما يعرف المزارع مسبقاً الصنف المطلوب والكمية والمواصفات والجهة التي ستشتري الإنتاج، تقل مخاطر فائض الإنتاج، ويتحسن التخطيط للموسم، وتزداد القدرة على استخدام التمويل والتكنولوجيا بصورة أكثر كفاءة.

وإذا أمكن توسيع هذه التجربة لتشمل قطاعات ومنتجات أخرى، فإنها قد تساعد على نقل جزء من الزراعة اللبنانية من نموذج يقوم على الإنتاج الفردي ثم البحث عن السوق، إلى نموذج أكثر تنظيماً يبدأ من السوق وينتهي عند الحقل.

عكار مثال على اختلاف الحلول بحسب المنطقة

وفي عكار ووادي خالد ظهرت طبيعة أخرى للمشكلات والحلول. فهناك ركزت جولات الوزير على خفض كلفة الإنتاج باستخدام الطاقة الشمسية والري الحديث، ومعالجة مشاكل المياه والتلوث، ودعم الثروة الحيوانية، والعمل على إعادة تأهيل مركز تجميع الحليب.

والأهمية في هذا المثال أن الوزارة لم تتعامل مع الزراعة كملف موحد في كل المناطق. فالاحتياجات تختلف من مكان إلى آخر.

في منطقة واسعة الإنتاج النباتي تصبح المياه والري والطاقة أولوية. وفي منطقة يتركز فيها إنتاج الحليب تصبح الحاجة أكبر إلى التجميع والتبريد والنقل والتصنيع. وفي منطقة تعتمد على البساتين تصبح الإنتاجية والأصناف والإرشاد الزراعي أكثر إلحاحاً.

هذه المقاربة القائمة على تحديد المشكلة بحسب المنطقة تمنح العمل الميداني قيمة أكبر، لأنها تربط السياسة الزراعية بخصائص كل منطقة بدلاً من تطبيق أدوات موحدة على قطاع شديد التنوع.

البنية التحتية جزء من السياسة الزراعية

وتوسعت حركة هاني أيضاً إلى ملفات لا تبدو زراعية بالمعنى التقليدي، لكنها تؤثر مباشرة في كلفة الإنتاج وقدرة المزارع على الوصول إلى السوق.

ففي الشوف، عاين الوزير طرقاً زراعية تحتاج إلى تأهيل، لأن سوء الطريق يرفع كلفة نقل العمال والمدخلات والمحاصيل ويحد من الاستفادة من الأراضي.

وهنا تظهر فكرة أوسع في السياسة الزراعية: دعم المزارع لا يبدأ وينتهي عند البذور أو الأسمدة أو الإرشاد، وإنما يشمل أيضاً الطريق والمياه والطاقة والتبريد والتخزين والنقل.

وهذه العناصر هي التي تحدد في النهاية قدرة المنتج على المنافسة بقدر ما تحددها جودة المحصول نفسه.

من التدريب إلى إدخال التكنولوجيا

ويتكرر النمط نفسه في مبادرات التدريب والإرشاد. ففي الشوف دعمت الوزارة سلسلة لقاءات تطبيقية حول الزراعات المستدامة، وفي البقاع تابعت تجارب لإدخال أصناف جديدة وتحسين الإنتاجية، كما شملت جولات أخرى مشاتل الوزارة لمتابعة توزيع الغراس في المواعيد الملائمة للمزارعين.

قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة مقارنة بالسياسات الكبرى، لكنها مهمة في الزراعة، لأن نجاح أي دعم مرتبط بالتوقيت والتطبيق والمتابعة.

فتوزيع الشتول بعد انتهاء الموسم المناسب يقلل فائدتها، وإدخال صنف جديد من دون تدريب لا يضمن نجاحه، وتوفير تقنيات ري من دون صيانة أو إرشاد قد يحد من أثرها.

وهنا تبرز أهمية المتابعة المباشرة باعتبارها جزءاً من التنفيذ وليست نشاطاً موازياً له.

الجنوب يضيف بعد إعادة تشغيل الإنتاج

وفي الجنوب اتخذت الحركة الميدانية بعداً مختلفاً بسبب الأضرار التي أصابت الأراضي والمنشآت الزراعية.

هنا يصبح التحدي إعادة المزارعين إلى أراضيهم، وتسجيل الأضرار، واستعادة جزء من القدرة الإنتاجية، ودعم مربي المواشي والنحالين وإعادة تشغيل البيوت الزراعية والمرافق المتضررة.

ويؤكد هذا المثال مرة أخرى أن قيمة النهج الميداني ترتبط بقدرته على التكيف مع اختلاف طبيعة المشكلة. فالأولوية في الجنوب تختلف عن الأولوية في الشوف أو عكار أو البقاع، لكن الآلية تبقى متشابهة: النزول إلى الموقع، تحديد الحاجة، إشراك الجهات المعنية، ثم البحث عن آلية تنفيذ.

الإمارات كحلقة بين الإنتاج والسوق

ضمن هذا الإطار، تكتسب العلاقة الزراعية مع الإمارات أهمية أكبر من مجرد زيادة الصادرات.

فالسوق الإماراتية يمكن أن توفر للمنتج اللبناني نافذة واسعة، لكن القيمة الأكبر قد تأتي من الاستفادة من الشركات الإماراتية في معرفة الطلب، وإدارة التوريد، والتوضيب والتخزين، والاستثمار الزراعي، ونقل التكنولوجيا.

وهذا ما يعطي جولة الشوف مع "إيليت أغرو هولدينغ" بعداً مختلفاً. فالشركة لا تمثل مشترياً محتملاً فقط، وإنما جهة تعرف احتياجات السوق وكيفية تنظيم الإنتاج ليصبح قابلاً للدخول إليها بصورة مستقرة.

وإذا تحولت هذه العلاقة إلى عقود ومشاريع واستثمارات مباشرة، يمكن للتعاون اللبناني–الإماراتي أن ينتقل من تصدير المنتجات الزراعية إلى تطوير جزء من منظومة الإنتاج نفسها.

ما بعد الزيارات الميدانية

مع ذلك، يبقى نجاح هذا الأسلوب مرتبطاً بما يحدث بعد انتهاء الجولات.

فالانتقال من زيارة الحقل إلى تغيير فعلي في أداء القطاع يحتاج إلى متابعة العقود، وتأمين التمويل، وإزالة العقبات الإدارية، وقياس ما تحقق من زيادة في الإنتاجية أو انخفاض في الكلفة أو توسع في الأسواق.

 إذا تحولت الجولات إلى عقود زراعية، والأسواق الخارجية إلى قنوات بيع منتظمة، ومشاريع الري والطاقة إلى انخفاض ملموس في الأكلاف، ومراكز التجميع إلى بنية فعلية للتصنيع والتسويق، فستكون الحركة الميدانية قد أدت وظيفة تتجاوز التواصل مع المزارعين.

وعندها تصبح حيوية الوزير وكثافة نشاطه الميداني أداة إدارة وسياسة زراعية تنقل الوزارة من موقع الجهة التي تنتظر المشكلات إلى جهة تبحث عنها في الحقول والأسواق، وتجمع الأطراف القادرين على معالجتها، وتحاول تحويل الحلول الناجحة إلى نماذج يمكن توسيعها في مختلف المناطق اللبنانية.

 

مشاركة المقال